مسلحون في افغانستان – من حارب الاتحاد السوفييتي كان يدرك جيدا ماذا يريد..
//
منذ بدأت المؤشرات والبوادر للسقوط المريع للاتحاد السوفييتي نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، أخذ نجم الحركات الإسلامية في الصعود، هذا الصعود الذي وبعد ما يزيد على العقدين من الزمن، لم يكن صدفة، أو خبط عشواء، ولا ضربة لمشعوذ "في الرمل والودع"، حيث من الواضح أن من حارب الاتحاد السوفييتي على مدار عمر هذا الاتحاد، كان يدرك جيدا ماذا يريد، وكان حدد مسبقا بوصلته وفي أي اتجاه هو ذاهب، ذلك ان الأمور في غير أوطان العربان لا تسير على السليقة، ولا على الفطرة، فهم يعقلون ويتوكلون بطريقتهم الخاصة، لا بطريقة امة العربان، طريقة تستند إلى العلم والبحث والتمحيص والتحليل.
في هذا الإطار، تشير معظم التقارير والدراسات، إلى أن الغرب الاستعماري، وقبل ان يصل إلى الهدف المنشود في إسقاط الاتحاد السوفييتي، كان قد اعد العدة للإعلان عن عدو جديد، قد يكون أكثر خطورة مما كان يشكله الاتحاد السوفييتي إبان قمة مجده، وهذا العدو يتمثل في القوى الإسلامية التي كانت في واقع الحال حركات تنال في كثير من الأحيان رضا ودعم العديد من الأنظمة في المنطقة العربية.
يمكن في هذا السياق الحديث عن الحركة الوهابية التي كانت ولا زالت تحظى بدعم رسمي من الدولة السعودية، برغم بعض الخلافات أو الاختلافات التي قد تظهر بين فترة وأخرى، لا بل ان البعض يرى ان مؤسس الفكر الوهابي محمد بن عبد الوهاب كان قد "تحالف مع محمد بن سعود وأسس معه الدولة السعودية" (احمد الكاتب – الفكر السياسي الوهابي- ص 10)، ويشير الكاتب إلى ان "الملك فهد نفسه قال في العام 1989 ان الشيخ بن عبد الوهاب لم يقم إلا بالدعوة لتطهير العقيدة من البدع والضلالات".
الاعتقاد السائد ان الحركات الإسلامية صعدت الى واجهة الاهتمام والأحداث بجهدها وبما كانت تقوم به من أعمال خيرية أو اجتماعية فقط، فيه بعض من الحقيقة، لكنها ليست الحقيقة الكاملة، صحيح ان الناس كانت في أمسّ الحاجة إلى المساعدات التي تقدمها الجماعات الإسلامية في العقود الماضية من القرن الماضي، وخاصة في الخمسينات والستينات وكذلك السبعينات وما بعد ذلك،وحتى الآن في كثير من الأحيان، إلا أن الحقيقة أيضا هي ان هذه الجماعات، كانت وما زالت قريبة من أنظمة الحكم، وتعتبر مرضيا عنها في كثير من الأحيان والدول، ولنا في الحركة السلفية في مصر خير دليل على ذلك، وخاصة مواقفها التي صار الكل يعلمها خلال ثورة شباب مصر الحالية، وحتى هنا في فلسطين، فانه لم يتم تسجيل اعتقال أي من الشباب الفلسطيني المناضل على خلفية إسلامية أو بشبهة الانتماء إلى تنظيم إسلامي منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967حتى العام 1987 أي العام الذي أعلن فيه عن قيام حركة حماس.
- *مصدر التخويف: الغرب*
التخويف من الحركات الإسلامية جاء عمليا من الغرب، هذا الغرب بقيادة الولايات المتحدة لم يتوان عن التحالف مع منظمة القاعدة، لا بل ان أميركا هي عراب منظمة القاعدة، وهي من عمل على خلقها وإبرازها إلى الوجود خلال الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، ولم تترد في العمل على توفير كل ما هو مطلوب من اجل تقويتها ومنحها كل ما يلزم، وذلك لكي تأخذ دورا رياديا على مستوى الحركات الإسلامية، وعندما حانت الساعة المناسبة، تم استخدام القاعدة ذاتها من اجل إرهاب العالم، وتم العمل على صناعة "بعبع" القاعدة والإرهاب الإسلامي والتخويف من كل ما له علاقة بالإسلام، علما ان جميع هذه الحركات الإسلامية ليست سوى حركات سياسية صرفه، تتخذ من الإسلام شعارا تتلطى خلفه من اجل تحقيق طموحات هي ابعد ما تكون عن الإسلام وجوهره الحقيقي.
مما لا شك فيه ان نجم هذه الحركات بدأ بالصعود بشكل اكبر، كنتيجة للفشل الذريع الذي واجهته القوى والحركات والأحزاب القومية وغيرها من الأطر التي لا تدعي الإسلام أو تتخذ منه شعارا ولا تتبناه في ممارساتها ونظرياتها، وكان لتجارب الحكم خاصة في سوريا ومصر والعراق وليبيا واليمن، خير دليل على فشل الأطر والحركات القومية في حل أو إدارة الصراع، أو حتى تحقيق الحد الأدنى لحلم الشعوب العربية بالتحرر والوحدة والديمقراطية والتعددية.
لا يمكن هنا القفز عن الحقيقة التي تقول ان الحركات الإسلامية تعاملت تاريخيا مع القوى القومية والوطنية بعداء غريب لا يمكن فهمه، وكانت تعمل جاهدة على إحباطها وإفشالها ومعاداتها ووصمها بأقذع الصفات، كما وعملت على تنفير الناس منها ومن الالتفاف حولها، وكان ذلك جليا خلال الحرب في أفغانستان، عندما كان يتم توجيه الشباب العربي والمسلم إلى أفغانستان بدلا من فلسطين، عدا عن الكثير من الممارسات التي مورست في فلسطين بحق القوى الوطنية من قبل التيارات الإسلامية.
ان الحجج والذرائع التي يسوقها بعض الإسلاميين وحركاتهم حول تراجع وفشل القوى القومية وغيرها، ليس مرده إلى ان هذه القوى أدارت الظهر إلى شعاراتها، وهي وإن فعلت، فان القوى الإسلامية لم تبد أكثر حرصا على تلك القضايا كما إنها كانت تغيب القضايا المركزية الأساسية تغييبا شاملا وكاملا عن برامجها، لا بل كانت تقف موقف العداء التام من تلك القضايا، وتعتبر ان من يشارك في الدفاع عنها ليسوا سوى جماعات الحادية الفكر والمنهج، وهذا بتقديرنا ليس غريبا عليها، فهي "القوى الإسلامية"، لا تتردد في تكفير بعضها البعض، برغم انها في النهاية تغرف من نفس المنهل والمنبع.
وحتى خلال ثورات الربيع العربي، فان القوى الإسلامية سواء في مصر أو تونس او ليبيا لم تحدد مواقف نهائية من قضايا لها علاقة بالقضية الفلسطينية على سبيل المثال، وهي لم تتميز في مواقفها عن بقية القوى غير الإسلامية، وحتى في غزة، التي تحكمها حركة الإخوان المسلمين ممثلة بحركة حماس، فان الأمر لم يعد كما كان عليه الحال قبل ان تصعد الحركة إلى سدة الحكم، وهي تتخلى تدريجيا عن الكثير مما كان معلنا قبل ان تمارس الحكم في القطاع.
- *التخويف وزيادة الشعبية*
لا شك ان الشعارات والأدبيات التي ترفعها القوى الإسلامية استطاعت ان تغوي العديد من الشرائح المجتمعية، إلا ان ذلك لا يعني بالضرورة ان هذه الشعارات دقيقة، او أن هذا المنطق صحيح، وهما – الشعارات والمنطق- إذا ما نجحا بشكل نسبي، فذلك يعود إلى فشل الأحزاب والقوى القومية، وليس لان ما تدعيه القوى الإسلامية هو عين الحقيقة، خاصة وان أحدا لم يجرب بشكل حقيقي الحكم الإسلامي الذي تدعو إليه الحركات الإسلامية، إذا ما استثنينا تجربة الحكم في قطاع غزة، والتي من الواضح انها تجربة ليست مشرقة كما يحاول البعض ممن يتحمسون لهذه الحركة الترويج.
الحركات الإسلامية لا تملك برامج مختلفة عن القوى الأخرى، وأي ادعاء غير ذلك في هذا الإطار يصبح ضربا من الدجل، وهي إذا ما امتلكت أية برامج فهي حصرا في المجال الاجتماعي، حيث يمكنها لو استطاعت الوصول الى الحكم ان تقوم ببعض التغييرات في هذا المجال، لكن ماذا يمكن لها ان تفعل في علاقاتها الإقليمية او الدولية، خاصة في ظل موازين قوى اقتصادية وعسكرية تؤكد على ضعف واضح في أي من الدول التي يمكن لهذه الحركات ان تصل فيها الى الحكم، وماذا يمكن لحركة كالإخوان المسلمين ان تفعل على سبيل المثال في معاهدة كامب ديفيد او معاهدة وادي عربة، او اتفاق أوسلو، ان المبالغة بالطريقة التي يتم الإعلان عنها من قبل الحركات الإسلامية، لا يمكن التعامل معها بجدية، خاصة وانها تشي في بعض الأحيان وكأن هذه الحركات تعيش في كوكب منعزل، وان لا قوى أخرى في ذاك الكوكب، حيث يتم التفصيل والتنظير بشكل يبعث على السخرية.
حالة الخوف التي يحاول العالم وخاصة في الغرب، الترويج لها من وصول الإسلاميين الى السلطة في الدول العربية في مرحلة ما بعد الربيع العربي، ليست حقيقية، خاصة ونحن نعلم ان هنالك اتصالات واجتماعات واتفاقيات مسبقة ورسائل "تطمين" تتم بين هذه القوى والدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، كما ان هنالك بيانات وتصريحات تصدر بين الفينة والأخرى، للتأكيد على ان هذه القوى ليست قوى معادية للغرب، وإنها سوف تعمل ضمن ما هو "مسموح" به، وإنها لن تشب عن الطوق مهما كانت الظروف.
التخويف من القوى الإسلامية يقود إلى المزيد من "شعبية" هذه القوى، وكأن الأمر مدروس بشكل مسبق، حيث هنالك حالة من التنافس في وسائل الإعلام الغربي والعربي للتخويف من هذه القوى، ويمكن لمن شاء الاطلاع على ما ورد في الصحف الأجنبية تعليقا على الانتخابات المصرية قبل ان تكتمل وتصدر نتائجها، كما ان هنالك تصاعدا في التصريحات من قبل المسئولين الغربيين بشكل عام تصب في ذات الإطار، كل هذا يدفع بدون شك الى المزيد من التقدم لهذه القوى وازدياد "شعبيتها" خاصة في ظل ثقافة تستند الى العاطفة في هذا الجزء من العالم، فكلما أظهرت الدول الغربية مزيدا من الخوف من تلك القوى"الإسلامية"، كلما زاد إقبال الجماهير على اختيار تلك القوى ودعمها، على اعتبار أنها تشكل تهديدا للقوى الغربية، عدا عن سياسة التخويف المستندة إلى سيف الله المسلط على الرقاب، والغيبيات التي هي ابسط الوسائل لنشر حالة من الرعب بين الناس وخاصة البسطاء منهم.
من خلال كل التصريحات ورسائل " التطمين" التي تقوم بها الجماعات الإسلامية إلى الدول الغربية، يشعر المرء وكأن هنالك حالة من التناغم بين ما يصدر من تصريحات في الغرب وبين ما يتم تقديمه من قبل الحركات الإسلامية، وكأن ذلك مقدمة لما ستكون عليه المرحلة القادمة، لكن السؤال يبقى، ماذا يمكن لهذه الحركات ان تقدم لشعوبها ما خلا البرامج الاجتماعية؟ ولم كل هذا الخوف والتخويف من هذه الحركات إذا ما وصلت الى سدة الحكم في أكثر من بلد عربي؟ هل يعتبر ذلك مقدمة لحكم الحركات الإسلامية في الدول العربية بعد ان أفل نجم الحكام الطغاة في بعض هذه الدول؟ وهل يمكن ان تنجح هذه الحركات فيما فشلت به القوى القومية العربية على مدار عقود من الحكم القاسي؟ وهل سيكون الوضع في هذه الدول أفضل حالا مما كان عليه الأمر في ظل القوى القومية؟
* * *
لماذا الخوف من الإسلاميين؟ امنحوهم فرصة للفشل (2-2)
- هنالك مسالة أصبحت كالحقيقة في ظل الثورات العربية، وهذه ربما غابت عن بال قيادات الحركات الإسلامية، وهي ان ما تم زرعه من رعب في قلوب أبناء الأمة على مدار عقود من الزمن، انتهى، وان هذه الحركات إذا ما شاءت ان تحكم الأقطار العربية، فان عليها ان تتعظ مما جرى لأنظمة مكثت في الحكم عشرات السنين، بعد ان مارست كل أشكال البطش والتسلط، إلا أنها لم تعد في السلطة بعد ان تم التخلص من حاجز الرعب – خاصة لدى الجيل الشاب- الذي شيدته أنظمة الطغاة على مر السنين
- المؤشرات الأولى التي بدرت خلال عام الربيع العربي، تشير الى أن شعارات التحرير والعروبة لفلسطين لدى الحركات الاسلامية بدأت بالتلاشي، وفي أحسن الأحوال تراجعت، هذا على اعتبار أو افتراض انها أخذت أصلا في ذهنية هؤلاء وأدبياتهم حيزا ملموسا قبل ذلك. وصار الجنوح نحو السلم هو السمة الأبرز في تلك المواقف، جنوح إلى السلم بمنطق الضعفاء، المنطق ذاته الذي ساد خلال حقب من سبقوهم في استعباد الأمة من الحكام الطغاة*
حيث ان الحركات الإسلامية لا تعيش بمعزل عن العالم كما تمت الإشارة في القسم الأول من المقال (نشرته "الاتحاد" أمس - المحرّر)، فانه يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها، ان حركة مثل حماس التي استطاعت ان تفوز بأغلبية كبيرة خلال الانتخابات الماضية، لم يكن من الممكن لها ان تقدم أكثر مما قدمته حركة فتح تحت أي ظرف من الظروف، خاصة وان السقف الذي تحكم من خلاله هذه الحركة –فتح- لن يختلف بأي حال من الأحوال، ولن يكون أكثر ارتفاعا عما هو عليه، فيما لو كانت حركة حماس في سدة الحكم، حيث الاتفاقيات الموقعة هي ذاتها، والاحتلال الجاثم على الرقاب والصدور والأرض هو نفسه، والأوضاع الاقتصادية المتردية بدون تغيير، والاعتماد على المنح والهبات والمساعدات الخارجية باق على ما هو عليه، هذا على افتراض ان حماس تسلمت السلطة ومارست الحكم في شطري الوطن.
وعليه فإن أية نتيجة لحكم حركة حماس، لن تكون أفضل مما هو عليه الحال في ظل حركة فتح، هذا على افتراض بأن سقف الحريات السياسية لن ينخفض أكثر، خاصة في ظل الممارسات التي خبرناها في القطاع على مدار السنوات الماضية، عدا عن أن سقف الحريات الشخصية لا بل الشخصية جدا، سينخفض أيضا، وقد كانت تجربة حكم الإخوان الحمساوي في هذا الإطار واضحة أيضا تماما.
في دولة كمصر، حركة الإخوان المسلمين التي استطاعت ان "تلتهم" ثمرة الثورة بعد ان قطفها الشباب المصري، لن تستطيع عمل الكثير في ظل وضع اقتصادي متهالك، وفي ظل ارتباط مصر باتفاقيات لا يمكن الفكاك منها، وستظل سيناء عصية على الجيش المصري مهما حاولت حركة الإخوان ان تدعي في هذا الإطار، ومهما حاولت الترويج.
ان المؤشرات الأولى التي بدرت خلال عام الربيع العربي، تشير إلى ان حالة من "زوغان" البصر والبصيرة أصابت الحركات الإسلامية بعد ما حققته في دول الربيع، مما جعلها تعتقد بأنها أصبحت قوة رئيسية ومهيمنة على صناعة القرار في تلك الدول، وكان ان بدأت تتكشف عورتها بشكل أسرع مما اعتقد الكثير، حيث فيما صدر عن العديد ممن هم الآن في سدة الحكم في تلك البلدان، ومن هم في قيادات هذه الحركات، ما يفيد، بان شعارات التحرير والعروبة لفلسطين بدأت بالتلاشي وفي أحسن الأحوال تراجعت، هذا على اعتبار أو افتراض انها أخذت أصلا في ذهنية هؤلاء وأدبياتهم حيزا ملموسا قبل ذلك، وصار الجنوح نحو السلم هو السمة الأبرز في تلك المواقف، جنوح إلى السلم بمنطق الضعفاء، المنطق ذاته الذي ساد خلال حقب من سبقوهم في استعباد الأمة من الحكام الطغاة.
حالة "الزوغان" تلك، أدت الى انكشاف ما سيكون عليه الحال في الدول التي يمكن ان تحكمها الحركات الإسلامية فيما يتعلق بالتعددية والديمقراطية، حيث بدأت سياسة الإقصاء والتهميش والتشكيك بوطنية وانتماء الآخرين بشكل يبعث على العجب، كما بدأت تلك الحركات بتكفير بعضها البعض كما هو ديدنها في التعامل مع كل من ليس هو معها او جزء منها، سياسة بوش الصغير ذاتها"من ليس معنا فهو ضدنا".
- ميلٌ للسيطرة والهيمنة
بعض الممارسات التي مارستها الحركات الإسلامية، أكدت ان الموضوع الديني ليس سوى شكلي فقط، حيث بينت تجربة ما بعد الثورة وما قبل انتخابات الرئاسة - في مصر- ان لا مصداقية يمكن التعويل عليها لهذه الحركات وخاصة الإخوان، لا بل كادت الأمور تصل الى الانشقاق في الحركة، وتم "التراشق" بالتصريحات بين قادة الحركة ورموزها بشكل غير معهود، كما ثبت ان هنالك ميلا للسيطرة والهيمنة بدون أدنى رتوش، وصار الوصول إلى السلطة هو الهدف الأسمى، بغض النظر عن الطرق والأساليب التي يمكن ان تتبع، وتم اللجوء إلى العامل الديني وتفسير الآيات والأحاديث لتسويغ المساعي المحمومة نحو السلطة – الرئاسة- وصار الحديث عن الضرورات والمحظورات هو السمة العامة.
لقد بينت التجربة القصيرة هذه، ان هؤلاء يشكلون خطرا داهما على الديمقراطية، وان هنالك خوفا مؤكدا من استبعاد شرائح ومكونات مهمة يتشكل منها الشعب المصري، وهذا إذا ما جرى سيكون الطامة الكبرى في الدولة العربية الرئيسية، التي نأت بنفسها تاريخيا عن الموضوع الطائفي والفئوي، وقد سمع العالم كل ما صدر من تصريحات، وصلت في بعض المراحل انها بعثت الرعب في أوصال الكثير من القوى والمكونات الأساسية للشعب المصري، لا بل وللشعوب الأخرى في المنطقة، حيث ان ذلك يعطي لمحات او فكرة عما سيكون عليه الحال في ظل حكم هذه الجماعات.
من الواضح ان هنالك مسالة أصبحت كالحقيقة في ظل الثورات العربية، وهذه ربما غابت عن بال قيادات الحركات الإسلامية، وهي ان ما تم زرعه من رعب في قلوب أبناء الأمة على مدار عقود من الزمن، انتهى، وان هذه الحركات إذا ما شاءت ان تحكم الأقطار العربية، فان عليها ان تتعظ مما جرى لأنظمة مكثت في الحكم عشرات السنين، بعد ان مارست كل أشكال البطش والتسلط، إلا أنها لم تعد في السلطة بعد ان تم التخلص من حاجز الرعب – خاصة لدى الجيل الشاب- الذي شيدته أنظمة الطغاة على مر السنين.
بالتالي، فان أي محاولة للاستئثار بالسلطة وإقصاء الآخر وتهميشه، ستكون عواقبه وخيمة وغير محمودة، ولن تكون هذه الحركات في منأى عن الثورة عليها، بغض النظر عن الشعارات التي يمكن ان تتلطى خلفها أو ما تروجه من غيبيات هي أسهل ما يكون للتلاعب بعواطف البسطاء من الناس وقراراتهم، كما ان عليها ان تدرك ان الثورات التي "التهمت" ثمارها، لم تقم ولم تنطلق نيرانها على أيدي أعضائها أو أنصارها، وإنما كانت على أيدي شباب لا علاقة لهم بالحركات الدينية بشكل عام. وهي إذا ما وصلت إلى السلطة وحاولت ممارسة سياسة البطش التي كانت، فهي إنما بذلك تحرق جميع السفن سواء لبقائها كقوى مؤثرة أو لزيادة انتشارها بين الجماهير التي تم تضليل قسم كبير منهم من خلال استغلال الموضوع الديني بشكل ممجوج، فهي في تلك الحالة سينكشف زيفها ولن تجد ما يمكن ان تغطي به عورتها مهما استخدمت من أساليب.
ان من غير المفهوم، لِمَ على العالم ان يبقى واجفا راجفا من قدوم الإسلاميين الى السلطة، مثل هذا الخوف او الفهم، سوف يبقي سيف هؤلاء مشرعا ومسلطا على الرقاب، ومن اجل التخلص من هذا السيف، فانه لا بد من منح الحركات الإسلامية فرصة للحكم وتقلد سدة السلطة، لأنها لا "تلعب" وحيدة في الساحة، وهي لا تعيش في كوكب منعزل، وهي ستصطدم بواقع مغاير تماما عما يوجد في المعارضة، لأنها لا تملك كما تمت الإشارة أية برامج حقيقية، وما تطرحه من برامج إنما هي في الحقيقة تأخذ الأمة أزمانا إلى الخلف بدلا من دفعها بقوة إلى الأمام، ذلك انها برامج تفتقر إلى الواقعية، وتركز على قضايا لا علاقة لها بتقدم وازدهار الأمم، وتتعامل مع كثير من توافه الأمور، التي نحن في غنى عن التوقف أمامها والزج بها في مفردات حياتنا اليومية، لتشغلنا عن اللحاق بركب التقدم والعلم وكل ما وصل إليه العالم من تطور ليس لنا فيه ولو بصمة واحدة يمكن ان يشار إليها أو التفاخر بها، هذا عدا عن أن من غير اليسير تطبيق هذه البرامج كما تشتهي الحركات الدينية أو تروم ، هذا عدا عن انها لا تحمل عصا سحرية للقيام بقفزة نوعية في الأوضاع السياسية والاقتصادية وغيرها، وهي بدون شك لا بد ستصل الى فشل مدو، خاصة في ظل ممارسات أخرى كتلك المشار إليها.
- تتخذ من الإسلام شعارًا ليس إلا
ان عدم منح هذه القوى الفرصة للوصول الى سدة الحكم سوف يبقينا نقف على رؤوسنا خشية ووجلا من هذه الحركات، مع معرفتنا انها تتخذ من الإسلام شعارا ليس إلا، وهي لا تعلن عن نفسها كحركات سياسية صرفة، في مخادعة هي الأكبر، ضمن كل ما تمارسه من ممارسات غير مقبولة لا تعكس بحال من الأحوال حالة الطهر الديني التي تدعيه، والجميع بات يعلم ان هذه الحركات إنما ترفع الشعار الديني فقط، من اجل نيل قدسية لا تتصف بها وليست من حقها، تماما مثل اعتقادها انها خليفة الله على الأرض.
قد يقول البعض ان هذه الحركات لا تؤمن بالآخر، وهذا ثابت في العديد من الممارسات التي تمت، سواء في قطاع غزة، حيث تحكم حركة الإخوان من خلال ذراعها الحمساوي، كما هو مثبت من خلال محاولاتها إقصاء الآخرين وتكفيرهم في دول الربيع العربي وخاصة في مصر.
ان الضمانة لإفشال أية محاولات لهذه الحركات بالاستئثار بالسلطة، هي حالة الثورة التي تعم الشارع العربي، والتي لا شك لن تتوقف إذا ما أرادات هذه الحركات ان تعيد تجربة الأنظمة المخلوعة في العديد من الدول العربية وما سيتبع، كما ان من غير الممكن ان يقبل الشباب العربي ان تقوده هذه الحركات إلى الخلف، في محاولة منها لاستنساخ التجربة التي قادها رسول الإسلام، خاصة وأن النبي (ص) جاء للارتقاء بالواقع المعاش في تلك الحقبة، لا إلى شَدٌهِ إلى الخلف متراجعا به قرون عدة، كما ان الجميع بات يعلم بأن احد أسباب الثورة على الطغيان، كانت حالة التخلف والتراجع التي تعيشها الأمة، والتي من أهم أشكالها غياب الحريات والاستئثار بالسلطة وسياسة البطش وتهميش الآخر، دعوهم يتقلدون السلطة لأن فيها مقتلهم كما وخلاص البسطاء من الناس من حالة الوهم التي رسمتها الحركات الدينية في أذهانهم، من ان الحال لن يكون هو الحال إذا ما وصل هؤلاء إلى السلطة.
(إنتهى)
