كان يوم الثلاثاء الماضي يوما متميزا، حركة نشطة حلّت فجأة. وكل الاجراءات توقفت الى حين الانتهاء من استقبال السجينين الجديدين، ودمجهما في حياة السجن، بحسب تخصصهما. شلومو بنيزري لعلوم التوراة، يعظ المؤمنين – وغير المؤمنين- حاضّا على "الامانة والصدق وطهارة الكف". وابراهام هيرشزون يحلل سر نجاح اقتصادات الدول وكيفية انماء ثرواتها، لكي يجد الوزير ما "يلطشه" منها، دون ان يحس احد بشيء.
حتى السجناء الذين انتهت مدة محكوميتهم فرحوا لبقائهم فترة اخرى وراء القضبان. فليس في كل يوم يمكنك ان تكون برفقة وزير مالية او وزير للعمل والرفاه في السجن. تضرعت الى الله: اللهم ابقِني هنا مع هذين، الى ان يأتي ثالثهم رئيس الدولة السابق "ابو النّسَوين" ورابعهم ابو مغلفات الدولارات، وخامسهم القاضي، الذي ترك مجال القضاء، والتحق بمجال اللصوصية الحرة، لانها اربح! هذا القاضي سوف يتولى القاء المحاضرات عن العدالة والمساواة وجرائم السرقة، كخبير فيها!
هؤلاء، لا يكفي احدهم ثلاثون او اربعون الف شاقل شهريا، فيمد يده الى السرقة او الى الرشوة. سرقة الملايين وارتشاء بالملايين.
تففتُ على الارض لدى دخولهما، قاصدا مكانا آخر للبصقة. وعدت بخيالي الى ما قبل عام تقريبا.
كنت اعمل في مصنع للأسمدة، أذيب فيه عرقي ورئتيّ وعضلاتي، واقبض ثلاثة آلاف شاقل، تنفد قبل العشرين من كل شهر. ومع كل قبضة كنت افكر في البحث عن عمل آخر (تحت إلحاح الزوجة وصمت الاطفال المحرومين). يمكّنني من الوصول الى آخر الشهر. انا لا اريد اكثر من الطعام والشراب واللباس وأجرة البيت فقط. فليس في برنامجي شيء اسمه استجمام او ترفيه. فبدل "شم الهوا" أشم رائحة الاسمدة الخرائية، "فتقطب" نفسي عن كل المسرات. حتى الاعراس التي كنت ادعى اليها، كنت اعتذر عن المشاركة فيها بحجة المرض حينا، وبعدم سماح "المعلم" لي بالغياب احيانا. وفي كل مرة كنت اعدل عن البحث عن عمل آخر، بعد ان اسمع عن المصانع التي تسرح عمالها وتغلق ابوابها: هل تسمعين يا ستّ؟
ذات ليلة خلتْ من ضوء قمر ومن رغيف خبز وكيس حليب، لم اعد استطيع الصمود اكثر، امام طفلي الجائع، ودموعه الصامتة، انظر اليه يحاول النوم، لكن وخزة الجوع تبعد عنه اشباح الكرى.
حزمت امري، تناولت جوربا من جارور الخزانة، وخرجت بخطى ثابتة. لم التفت الى الخلف وتجاهلت تهكم الزوجة التي اوهمها الجورب بأنني مسافر: "يا باب الله يا مسهّل؟" سألتني!
كان حانوت الحي الذي اعتدت على الاستدانة منه، واعتدت كذلك على "تجريع" الحكي الناشف من الحانوتي، قريبا من البيت. أدخلت رأسي في الجورب. التفتّ يمينا ويسارا وخلفا، لئلا تدهسني اللهفة.
الأمام فقط كان نصب عيني. عالجت زجاج الواجهة المضاءة بمفكّ كان معي. دخلت بسرعة الخائف. حملت ما استطعت حمله مما قسم الله لي.؟ وخرجت على جناح الخوف وفي نيتي ايقاظ الاطفال والاحتفال معهم بوجبة وافرة... ولكن...
رأيت نفسي امام القاضي... هل هو القاضي دان كوهن نفسه، الهارب بالملايين المسروقة؟ ربما. وصدر الحكم بالسجن.. سنة فعلية واخرى مع وقف التنفيذ!
شعرت بلكزة في جنبي، اعادتني من رحلتي الخيالية، وسمعت زميلي السجين يقول لي: سلّم على معالي الوزير! تففت ثانية بصقة تعج بالشماتة. فهل قليل ما فعلوه بنا، وما زال زملاؤهم يفعلونه؟! هل هذه الفئة السوسية هي التي تحكمنا وتتحكم في اقدارنا؟ توزع الثروة على طبقات المجتمع، بحيث تأخذ هي ما يشبع نهمها، وتترك لنا فضلات تخمتها!!
تذكرت مقالا للمحامي الكاتب وليد الفاهوم، يحكي فيه عن المسلسلات العربية، التي هي عبارة عن فترة اعلانية طويلة تتخللها بعض من حلقات. تفقد كونها مسلسلا فيه دعايات لتصبح دعاية "محلققة".
اخذني هذا التوصيف الى طرفة من التراث السخنيني المحلي الاصيل، عن الفول المسوّس او عكسه!
احد الفلاحين (صابر) زرع حقله فولا. جاءت غلة الفول وافرة، لكن المشترين قلة. لم تكن لدى صابر خبرة تجارية. توجه لفلاح آخر (سعيد) كان "يغبط" عليه، وله خبرة تجارية لا بأس بها، لكثرة ما كان "يطرش" الى الضفة الغربية. وطلب منه ان يبيع له الفول لتجار نابلس او جنين او الخليل. استفسر زميله عن حالة الفول. طمأنه انها جيدة. لم يكتف سعيد فأضاف: هل فيه سوس؟ اجاب صابر: يعني يمكن القول انه فول مسوّس قليلا.
طلب سعيد ان يأتي له صابر بمسطرة (عينة) من الفول. فسارع الاخير الى احضار "عرام" (ملء الكف) وعرضه على صاحبه.
نظر سعيد الى الفول في كف صابر، فشاهد اسراب السوس "تبغش" وتحبو في كل اتجاه... ضحك طويلا طويلا:
- مالك؟ سأله صابر.
- قلت لي عندك فول مسوس.. وما اراه هو "سوس مفوّل".
لاول مرة تخطر ببالي فكرة تشبيه حكومتنا "بالسوس المفول". اذ لطالما تكشّف الكثير من وزرائها عن لصوص، يدسون في جيوبهم وفي حساباتهم البنكية، اكثر مما ينفقونه على المشاريع التي أُوكلوا مهمة تنفيذها.
اذن هي لم تعد "حكومة ملصصة" (أي فيها لصوص) بل باتت "لصوصية مُحَوْكمة" سوسا مفوّلا...
ضحكت وضحك زميلي السجين.. ثم انتحينا جانبا، ورحنا نعدّ الايام الباقية لنا هنا في هذا السجن الوزاري، لعلها تمتد حتى دخول الآخرين من "ممثلي الشعب"...
*****
* تنقير
- لماذا ما زالت السلطات الاردنية غاضبة على خالد مشعل، وطردته بعد ان سمحت له بالمشاركة في جنازة والده في عمّان؟
- لانه لم يمت في محاولة الاغتيال الاسرائيلية في عمّان...
