ليس المهم كم عدد العرب الآن فوق الكرة الأرضية، فلم تعد الأرقام ترسخ ثقتنا وتدفعنا للفخر. ملايين في الشوارع والبيوت والمدارس والجوامع والكنائس والنوادي والحواري والأزقة والملاعب الرياضية. المهم اننا نملأ بطوننا ونندفع نحو الحياة والملذات الرخيصة، نندفع بين الأرجل لنسجل نقاط الوجود فقط . لا ظل يسترنا ولا ستر يحمي البقية الباقية من الكرامة، التي استباحوا تفاصيلها حتى دخلت بيت الطاعة الأمريكي بكامل أناقتها التنازلية..!
قديما كان عددنا أقل، لكن كانت هناك قيم إنسانية. كانت هناك بعض الصلابة في المواقف وقوة رغم الهزائم، وآمال تعقد نتيجة لقاءاتهم، وزعماء نجد فوق وجوههم بعض الخجل، يخافون من الفضائح السياسية. لذلك كانت مؤامراتهم تستدعي الإخفاء حتى يأتي يوم ويفضحهم التاريخ. لكن كل شيء يتساقط الآن، حتى الربيع العربي لم يعد يكتب على الجدران تفاؤل الشعوب. جبال من جليد الخوف تذوب وتغلق منافذ الضوء والحرية.
العالم العربي مشتعل بنار الخلافات والدم والرصاص والجوع والنهب. مظاهرات تترك رجل الشارع في بلبلة لفظية، ولم تعد الشعارات تنطق بالحقائق، بل تحمل ألفاظ الكذب المسموح المنافق. لم يعد المواطن العربي البسيط هو الذي يحمل الشعار ليقول للعالم هذا شعاري الذي اخترته، بل النظام، والذين يدورون في فلكه وباقي الأنظمة التي نبتت جديدا على أشجار الربيع العربي والمأجورون، هم الذين يحددون سعر اللفظ المكتوب أو الذي يهتفون به.
ميزان التغيير لا يميل نحو ثقافة رفع قيمة المواطن العربي ليرفع رأسه. وإذا كان نجاح الثورات يُكتشف بمدى سن القوانين التي تحترم حياة المواطن والخدمات التي تقدم له واتساع مساحات الحريات، فان هذه الثورات زادت من شد المواطن إلى أسفل. ولم تسعف مرايا الأحلام التي خاب أملها من توجيه أصابع اللوم إلى الذين يتاجرون بهذه الثورات، حتى تحولت أسواق الثورات إلى منصات للمزايدات في المواقف السياسية والاجتماعية حتى الفنية. مثلا "الاخوان المسلمون" في مصر من الذين كسبوا وجه الثورة المصرية، حيث أفرزت وأبرزت الثورة القوة الشعبية التي يملكونها، بالإضافة إلى القوة المالية التي يتمتع بها بعض قادتهم. وقد رأينا وسمعنا عن الملايين التي يملكها البعض، ومنهم المرشح لرئاسة الجمهورية خيرت الشاطر.
لن أتطرق إلى صعود "الإخوان المسلمون" إلى دفة الحكم وحصولهم على أكثر المقاعد في مجلس الشعب المصري، ووجودهم الآن على المحك السياسي والمراهنات على القدرات التي يملكونها في مواجهة الصعوبات والأفكار السياسية التي يحملونها، والغزل القائم مع الإدارة الأمريكية. بل سأتطرق إلى مساحة الحرية الفنية والثقافية والإبداعية التي تتعرض الآن للقصف والمنع من قبل بعض "الاخوان المسلمون"، الذين يرون في هذه الجرعة من الحرية، طعنة في ظهر نظافة المجتمع المصري. إذ بدأت ملامح الرقابة تتحول إلى مقص يقص الأسماء الأدبية وعناوين الأعمال الفنية.
أرشيف التلفزيون المصري يضم المئات من الأفلام والأغاني والمسلسلات المصرية، التي تربت وتثقفت الشعوب العربية عليها، حتى حفظتها عن ظهر قلب. وكانت هذه الأعمال الفنية تتحرك فوق مساحة حريتها، حسب الأجواء العامة والرؤية الفنية في حينها. وأيضا النبض الفني يتألق في فضاء الحريات، ويبدع في أجواء غياب الرقابة. والشعوب بعدها هي التي تقرر الغث من السمين. هي التي تعرف هل هذا العمل صالح بالنسبة لها أم مضر، والمستقبل كفيل بذلك. لكن الآن هناك من يريد نزع اللقطات، التي حسب رأيه تضر بنفسية الجمهور، كأن الشعب العربي عامة، والمصري خاصة، يعيش في أجواء معقمة، وهذه اللقطات ستفسد التعقيم، وتحولهم إلى حيوانات جنسية مهووسة. فقد أعلنت الأخبار أن الأرشيف الفني في التلفزيون المصري يتعرض لهجمة شرسة وقاسية، وهناك من يفحص ويقرر ويقص، من فيلم وأغنية. وهناك منع لبعض البرامج. وقد يقول البعض وماذا يعني أرشيف؟! لكل شعب في العالم أرشيفه الفني والأدبي وتاريخه وشخصياته. انه الدليل على تطور المجتمع والصورة الناطقة لطريقة تفكيره ورؤيته في الحياة السياسية والاجتماعية والفنية، وعملية القص معناه العبث في التاريخ وكذب على الأجيال القادمة. بالعكس نزعها سيكون قمة السذاجة لأن هذه الأعمال الفنية قد خرجت عن الطور، مثل فيلم "أبي فوق الشجرة" للفنان عبد الحليم حافظ الذي تقرر منعه لعدد القبلات فيه!! فهل منعه من العرض ونزعه من أرشيف التلفزيون الآن بطولة للأخلاق الحميدة، وفرش البياض على سواد الماضي..؟! وفي القائمة، التي يحملونها الآن، عشرات الأفلام والأسماء الفنية المعروضة للاغتيال الفني والتمزيق والرمي تحت سجادة العيب.
في عالم مفتوح على الجهات الأربع، والفضائيات اخترقت النخاع العربي وتحولت ثقافتنا إلى ثقافة السطوح- نتيجة الصحون فوق أسطح البيوت- من المعيب أن يحاول البعض حتى لو كانوا من "الاخوان المسلمون" المتاجرة بعملية القطع والتمزيق والمسح والمنع لأي أرشيف وعرقلة الروح الفنية، حتى لو كانت ضد بعض المفاهيم. إن الشعوب هي التي تقرر كيف يكون التفكير، وكيف يكون الإبداع، وكيف تكون طريقة العيش والحياة. فقد ولّى الزمن الذي كانت فيه الشعوب تحمل حكمة القرود الثلاثة: لا اسمع، لا أرى، ولا أتكلم..!!
