"إنَّ عدم احترام اللغة العربية ومكانتها هو عدم احترام للمواطنين العرب"

single

من يوم اللغة العربية في الكنيست



يسرني أن افتتح النقاش في الهيئة العامة للكنيست في اليوم الخاص للغة العربية، وهو حدث كما يبدو غير مسبوق في هذه الهيئة. واريد ان افتتح بكلمات شكر لرئيس الكنيست، يولي ادلشطاين، ولسكرتيرة الكنيست، يردينا ميلر، ولرؤساء اللجان البرلمانية التي ناقشت في جلساتها مكانة اللغة العربية. كما اريد أن اشكر المؤسسات التي ساهمت في اخراج نشاطات هذا اليوم إلى حيز التنفيذ: مركز دراسات، معهد فان لير، جمعية سيكوي، صندوق ابراهيم، مجمع اللغة العربية، وجمعية حقوق المواطن. اريد أن اشكر أيضًا مدرسة الجليل من الناصرة والمربي عايد علي الصالح، ومدرسة واحة السلام، بالإضافة إلى المربين والأكاديميين الذين شاركونا بهذا اليوم، وشكر خاص للفنان سعيد نهري الذي عرض مخطوطاته الفنية في الكنيست.
"من جهلَ شيئًا عاداه"، لذلك ندرك تمامًا بأن العلم نور وتقبّل للآخر المختلف، ويمهّد الطريق الطويلة للمساواة والعيش المشترك. ولأننا نؤمن بأن إضاءة شمعة خير من لعنة الظلام، قمنا اليوم باضاءة شمعة بشكل نداء لصون اللغة العربية. اللغة هي ليست اداة تواصل بين الناس فحسب، فهي تحمل معانيَ عميقة وتعبّر عن حالة الوجود ومكانة المتحدثين بها. كما أن لغتنا العربية هي احدى أهم وأسمى مرتكزات هويتنا القومية العروبية الجامعة، بمفهومها الثقافي والحضاري. فاللغة العربية هي الوعاء الحاضن للفكر القومي التقدمي، وللأدب العربي والتاريخ والثقافة والإبداع.
تأخذ اللغة أهمية بالغة في حالة الأقليات القومية والأصلية، والحفاظ على اللغة وصيانتها هو هدف وجودي بكل ما تحمل الكلمة من معنى. في ظل سلخ المجموعة عن لغتها وروحها الثقافية تتم عملية الصهر والتشويه عبر تبني لغة مجموعة الاغلبية وفقدان الأهمية الهوياتية للغة.
وفي حالتنا كأقلية قومية في وطننا، تسعى مجموعة الأغلبية إلى بناء الحيّز العام، صاحب اللون الواحد، الذي يتماهى مع مجموعة الأغلبية ويتم فيه بناء مشهد أحادي اللغة تسيطر عليه لغة الاغلبية وثقافتها، بحيث يتم تصميم الحيز العام وفقا لمصالح واحتياجات المجموعة المهيمنة، ولهذه السياسات ابعاد عديدة خطيرة، ومنها: الانتقاص من حق مجموعة الاقلية بالحفاظ على لغتها وثقافتها، تشويه هوية المجموعة وتشويه انتماءاتها.
لسنا مجرد أقلية تعيش في هذه الدولة، ولسنا مجرد مجموعة قومية في هذه البلاد. كما أننا لسنا، بالطبع، مجرد واحدة من المجموعات المستضعفة في البلاد. نحن، قبل كل شيء، مجموعة وطن قومية أصلية، عاشت وازدهرت في وطنها، كجزء من الأغلبية سوية وأبناء الشعب الفلسطيني في البلاد قبل قيام الدولة. وقد تركت نكبة عام 1948 فينا، كجزء من نصيبنا من نكبة شعبنا، بصمات واضحة المعالم، بدءًا بسياق الأرض والمسكن، مرورًا بسياق هويتنا الجماعية ووصولا لسياق الإقصاء البنيوي من المواطنة.
اللغة العربية هي لغة رسمية في الدولة، بحسب القانون، الا ان التعامل مع اللغة العربية بقي في دائرة ضيقة تكاد لا تذكر، فهي غائبة بالكامل عن المشهد اللغوي العام، وتكاد تكون معدومة في المنشورات الرسمية، مواقع الانترنت الرسمية، ومراكزالخدمات العامة. وتغيب اللغة العربية عن الأكاديميا بشكل كامل، أي ان عملية التعليم، الكتابة والبحث تقوم على اللغة العبرية والانجليزية بينما تبقى العربية خارج الكامبوس.  التعامل معنا يبقى كأننا مهاجرون أو كمجموعة طوائف، بدون حقوق تضمن الخصوصية القومية الجماعية.
لقد صدر العديد من قرارات المحاكم، وخاصةً من محكمة العدل العليا، والتي تؤكد رسمية اللغة العربية في البلاد. فمن لا يتعامل مع اللغة العربية كلغة رسمية في البلاد فهو يخرق القانون، بما في ذلك قرار محكمة العدل العليا الذي يلزم البلدات العربية - اليهودية باضافة اللغة العربية على كافة اللافتات واليافطات. كما أكدت المحكمة بقرارها "أن اللغة العربية هي لغة الأقلية الكبرى في إسرائيل. اللغة العربية تمثّل الخاصيّة الثقافية، التاريخية والدينية للأقلية العربية في إسرائيل".
لا تحترم مؤسسات الدولة المكانة الرسمية والسياسية للغة العربية من خلال المساواة التشاركية، ولا تتعامل مع العرب كمجموعة قومية وأقلية وطن من خلال التأسيس لنظام التعددية الثقافية لمواطنة متساوية، ومن خلال العمل على خلق حيز متساوٍ وديمقراطي للجميع، بل عمّقت من شعور الغربة للمواطنين العرب وعمّقت بذلك من التوتر بين المجموعتين القوميتين، وبين الاقلية العربية والمؤسسات الرسمية، وذلك على حساب دَور اللغة في أن تشكل محورًا اساسيًا في تطوير مفاهيم العيش المشترك، والسلام والاحترام.
اللغة العربية هي لغة البلاد المجاورة والمنطقة، وهي اللغة الأم لحوالي خُمس من مواطني الدولة وهي لغة جذورها عميقة وثابتة في هذه الأرض. ومن على هذا المنبر اريد أن اناشد الجميع بالحفاظ على اللغة العربية وصونها كلغة رسمية في الواقع الملموس، وليس فقط في كتاب القوانين. التعددية الثقافية تلزم تمتين وتعزيز مكانة اللغة العربية، خاصةً في سلك التربية والتعليم، الخدمات الجماهيرية، الصحية، الحكومية والحيز العام.

إن عدم احترام اللغة العربية ومكانتها هو عدم احترام للمواطنين العرب، وتغييبهم، ومحو لثقافتهم.

كلّي أمل أن النقاشات التي دارت اليوم في لجان الكنيست في هذا اليوم الخاص ستشكل بداية لتمتين وتعزيز مكانة اللغة العربية في البلاد، خاصةً وأن اللغة هي جسر للسلام والعيش المشترك والاحترام والمساواة.
علينا أن ننتصر للغتنا، وثقافتنا، ولحقنا بالوجود والتطور على ارضنا وعلى وطننا، ومن جيلٍ إلى جيل.



(كلمة النائب د. يوسف جبارين باللغة العربية أمام الهيئة العامة للكنيست بمناسبة اليوم الخاص للغة العربية بالكنيست)

قد يهمّكم أيضا..
featured

حل سياسي بارادة سورية

featured

حرب سلامة نتنياهو

featured

المسّ بمشاعري

featured

نباتات فاسدة في غابات الفتاوى الدينية

featured

اليهودي عاشق الحياة واليهودي عاشق الموت

featured

"برافر".. وجه الحكومة البشع!

featured

لسنا بحاجة الى أضاحٍ وقرابين

featured

القدرة على الخروج منتصرين