*لنترك سلوكيات "الانتقام" و "تصفية الحسابات" لغيرنا. فلنرجع لبناء الذات بنقد الذات البنّاء إن شئنا حقاً تغيير المستقبل*
اعتاد الإنسان منذ الأزل على البحث المتواصل ومن ثم ربما العثور على تجسيد
ملموس لأسباب الفشل وبالتالي التكفير عنه او التفتيش عن أسباب النجاح الموعود وتحفيزه بتقديم الأضاحي والقرابين.
تعتبر طقوس الأضاحي وتقديم القرابين لدى كل الديانات الموحدة وغير الموحدة تجسيدا بدائيا قسريا وتكراريا لهذا التكفير والغفران او تحفيزا للنجاح امام "القوى العليا".
لقد ذكرت الكتب المقدسة بعضا من هذه الطقوس بداية بإبراهيم الخليل والشروع في التضحية بابنه اسحق حسب القصة التوراتية ومن ثم القصة الإنجيلية بتضحية الرب بإبنه يسوع المسيح مصلوبا، وبعد ذلك جاءت القصة القرآنية قائلة ان إبراهيم الخليل كان قد نوى التضحية بابنه اسماعيل.
الموروث العام للثقافة الأسطورية الطوطمية "كبش الفداء" هذه كعادة قسرية راسخة في وجدان البشر ينسحب كذلك على مجالات العمل والنشاط الأخرى للإنسان وليس فقط بمجال المعتقد الديني.
نظرة سريعة لكل مجالات الحياة العائلية والاجتماعية والمهنيّة والسياسية والاقتصادية ترينا إنّه على مرّ الأزمنة كلها، وبشكل خاص أثناء الأزمات، كان لا بد من الرجوع القسري للطقوس البدائية لإيجاد "كبش الفداء" بكل مجالات الحياة المذكورة من أجل حلّ التناقضات والصراعات الحاصلة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، وبهذا السياق "البَعْد انتخاباتوي" بالذات، لماذا نستمرّ بفكرٍ واعٍ أحيانا ولا واعٍ أحيانا أخرى بمثل هذه الطقوس القسرية باحثين بشكل ملموس ومجسّد عن "كبش الفداء" من اجل تقديم "الأضاحي والقرابين" رغبة بالتكفير عن الأخطاء والتمهيد للنجاح المستقبلي.
يأتي التحديد العيني لهوية "كبش الفداء" عادة من قبل أفراد ضد أفراد اخرين، أفراد ضد مجموعات، مجموعات ضد أفراد وأخيرا من قبل مجموعات ضد مجموعات اخرى.
تقف من وراء سلوكيات وثقافة "كبش الفداء" آليات دفاعية نفسية، فردانية وجماعية، مثل الإسقاط والإزاحة والتي بدورها تخدم على تركيز وصبّ كل مشاعر الغضب، العدوانية والإحباط والانتقاد والتذنيب على الآخر، سواء كان هذا الآخر هو أفراد ام كانوا مجموعات.
باعتقادي، يجب ان يدور البحث هنا وبهذا السياق من النقد الذاتي حول "المجرّد" وليس حول "الملموس". علينا ان نبحث عن الأفكار والممارسات والسلوكيات (ليس المقصود هنا الفكر الفلسفي العقائدي او البرنامج السياسي) التي معا اوصلتنا الى ما آلت إليه الأمور وليس ابداً البحث عن الأفراد أو المجموعات، سواء كان ذلك على المستوى الموضوعي او على المستوى الذاتي، والعمل على تجنب التعويض والإزاحة عن هذا البحث بما تخيلناه، عبثا، سببا لهذه الإحاطات الأخيرة (الانتخابات المحلية)، وبالتالي الاستغناء عن البحث الجدي البناء والهادف الى إصلاح الأمور، واستبدال ذلك بالبحث العقيم عن أفراد او عن مجموعات واستهدافهم لكي يكونوا التمثيل الحي ًوالتجسيد الموسمي والمرحلي لكبش الفداء.
نعم، يجب البحث عن الأفكار والممارسات والسلوكيات العليلة (مثل: الإقصاء، التخوين، الترهّل، فقدان الدافعية، البيروقراطية، تركيز السلطة بأيدي النخبة، المحسوبية، الانسياق وراء الشارع وليس توجيهه، وهذا بعض ما قد يفرزه النقد الذاتي) سواء داخل الحزب الشيوعي او داخل الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وعلى المستويين القطري والمحلي.
ان ما يميّز الأحزاب بكونها مجموعات كبيرة هو كونها ذات هدف او أهداف، ذات مقدرة على النقد والإصلاح الذاتي والتوازن.
لذلك نرى ان السلوك الجماعي ما هو إلا تعبير خارجي بارز للعين عن الآليات الداخل جماعوية من اجل المحافظة على توازن المجموعة وعلى أهدافها الأولية والثانوية.
الصراع على البقاء الداخلي والاستمرارية والنضوج هي من الأهداف الأولية لكل مجموعة وبضمنها الأحزاب.
اما الأهداف الثانوية فترمي الى النظام الداخلي، بناء حدود داخلية وخارجية، التوجيه الدقيق بالزمان وبالمكان وتحديد الواقعي وغير الواقعي.
عندما تتلاقى رغبات فردية او رغبات لمجموعات صغيرة داخل الجسم الكبير مع ظروف وأوضاع تنظيمية معينة مأزومة، يشعر الأعضاء بالقلق وبالتوتر، عندئذ يجري بشكل واعٍ او لا واعٍ البحث عن "كبش الفداء" لكي تدار الأزمة حسب تلك المشاعر والأفكار الفطرية داخل المجموعة، التنظيم.
كفانا بحثا عن أفراد او عن مجموعات لنقطف رؤوسهم ولنجهز عليهم حتى نستطيع ان نخاطب أنفسنا والآخرين قائلين: ها قد طهّرنا ذواتنا.
ان التحليل الجريء وغير المهادن لكل الأسباب الموضوعية والذاتية بشكل خاص وتشخيص "الأفكار والممارسات والسلوكيات" العليلة واستخلاص العبر من تجارب الماضي والتجربة الحالية هو وحده كفيل بان يوصلنا الى التجدّد الثوري المنشود لتكملة مشوار الوطن والشعب.
ان الطابع الجدلي لعملية النقد الذاتي المجتهد هذه قد يظهر لنا معظم الأفكار والممارسات والسلوكيات العليلة من ناحية ومن الناحية الاخرى التداوي والشفاء من كل ما جاء بنا الى هذه الأزمة التي تلمّ بنا.
لنترك سلوكيات "الانتقام" و "تصفية الحسابات" لغيرنا.
فلنرجع لبناء الذات بنقد الذات البنّاء إن شئنا حقاً تغيير المستقبل.
