فشلت سياسة إرغام الفلسطينيين على تبني الرواية الإسرائيلية والصهيونية، وكان الشيوعيون الفلسطينيون هم القيادة الفعلية لمقاومة مثابرة تعزز الصمود بالمعنى الفردي والجمعي والوطني والإنساني
في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية فصول تكاد تكون مجهولة. مثلاً كيف عاش ما تبقى من الفلسطينيين في الجليل والمثلث والنقب بعد النكبة. فقد أصبح هؤلاء بين ليلة وضحاها أقلية، كما أصبحوا مواطنين في دولة ترى فيهم طابورًا خامسًا، وتحكمهم من خلال إدارة عسكرية تحد من حريتهم في الحركة، فلا يستطيع الواحد منهم زيارة قرية مجاورة، أو العمل خارج قريته دون الحصول على تصريح مسبق، ومع هذا وذاك تزرع بينهم عددًا لا يحصى من العملاء والمخبرين، فتحصي أنفاسهم، وتحاول تجريدهم لا من الأرض وحسب، بل ومن الذاكرة والهوية، أيضًا.
كانت الحكمة السائدة تقول: إن النكبة قصمت ظهر الجيل الأوّل من الفلسطينيين في إسرائيل، فكان عاجزًا ومهزومًا. وهذه هي السمة السائدة في عقدي الخمسينيات والستينيات، بينما تبلورت الهوية الوطنية الفلسطينية للجيل التالي في السبعينيات، العقد الذي شهد صعود منظمة التحرير الفلسطينية، وعود الفلسطينيين إلى التاريخ بالمعنى الفعلي والمجازي للكلمة.
ومع ذلك هذه الحكمة تحتاج إلى مراجعة. صحيح أن النكبة قصمت ظهر الجيل الأوّل، ولكن لأن النكبة قصمت ظهره بالفعل، فإن ما أبداه من مقاومة، حتى بالحد الأدنى، يدل على رفض للعجز والهزيمة في ظل ظروف استثنائية. وهذا ما يحتاج اليوم إلى إعادة نظر ومراجعة. وبالقدر نفسه ليس صحيحًا أن الروح الوطنية، وهوية ذلك الجيل الفلسطينية كانت خامدة، فقد تجلت في أفعال الحياة اليومية، وفي الممارسات الرمزية، وفي الفعالية الثقافية والسياسية، علامات واضحة تدل على هوية مجروحة لكنها ليست خامدة.
المفارقة أننا نعثر على براهين إضافية في هذا الشأن من خلال كتاب يؤرخ لظاهرة العملاء في أوساط الفلسطينيين في إسرائيل. الكتاب بعنوان "عرب جيّدون: أجهزة الأمن الإسرائيلية وعرب إسرائيل 1948 - 1967". صدرت الترجمة الإنكليزية للكتاب قبل أشهر قليلة عن مطبعة جامعة كاليفورنيا. وقد سبق للمؤلف نفسه، هليل كوهين، أن نشر كتابًا قبل سنوات قليلة بعنوان "جيش الظلال" عالج فيه نشاط أجهزة الأمن التابعة للوكالة اليهودية والمنظمات الصهيونية العاملة في فلسطين الانتدابية منذ الحرب العالمية الأولى وحتى قيام الدولة الإسرائيلية في العام 1948.
يعتمد كتاب كوهين الجديد على آلاف التقارير والوثائق السرية العائدة إلى فترة الخمسينيات والستينيات التي رفع عنها الحظر، فأصبحت في متناول المهتمين والباحثين، مع ملاحظة أن عددًا كبيرًا من وثائق الفترة المذكورة لا يزال خاضعًا للحظر. وبالتالي يمكن في المستقبل الحصول على مزيد من المعلومات في هذا الشأن.
المهم أن وثائق كوهين تتكوّن من تقارير، ورسائل، وبلاغات، كتبها عملاء وأرسلوها لمراكز الشرطة، وإلى ضباط الأمن الإسرائيليين خلال الفترة المذكورة. وفي تلك الوثائق تتجلى حقائق مذهلة حول تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين الخاضعين لنظام الحكم العسكري في الجليل والمثلث والنقب، كما تتجلى أهداف السياسة الإسرائيلية تجاه الأقلية الفلسطينية خلال تلك الفترة.
في التقارير تفاصيل تبدو سخيفة وقليلة الأهمية بتعبيرات اليوم، ولكنها كانت ذات أهمية بالغة خلال الفترة التي يغطيها الكتاب. مثلاً أحد العملاء يكتب تقريرًا عن حفلة زفاف في قريته ويذكر فيه أنه سمع بعض الأغاني الشعبية المعادية للدولة، ثم يدوّن تلك الأغاني. عميل آخر يعبّر عن ارتيابه في عدد من الأشخاص لأنهم كانوا يتهامسون في أمر ما، ثم صمتوا عندما اقترب منهم. وآخر يقول إنه تلصص على جيرانه فاكتشف أنهم يستمعون لإذاعة صوت العرب.
تؤلف تلك التفاصيل مجتمعة ما يشبه القصر الكافكوي، أو ما يشبه مسرحًا للعبث، لكنها تدل على حقيقة أن الدولة الإسرائيلية كانت تحصي على الفلسطينيين أنفاسهم، وأن مجرد الاستماع لإذاعة بعينها، أو ترديد أغنية في حفلة زفاف، كان في جانب منه يمثل تحديًا للدولة.
وربما كانت مختلف تفاصيل الحياة اليومية تمثل نوعًا من التحدي، خاصة أن السياسة الرسمية في تلك الفترة كانت معنية لا بتجريد الفلسطينيين من الأرض والحرية وحسب، بل ومن الهوية والذاكرة، أيضًا. وهذا بصريح العبارة يعني إرغامهم على تبني الرواية الإسرائيلية والصهيونية حول الصراع في فلسطين وعليها، بما في ذلك قصة نشوء الدولة الإسرائيلية، وطرد غالبية الفلسطينيين من بلادهم.
وقد فشلت سياسة إرغام الفلسطينيين على تبني الرواية الإسرائيلية والصهيونية. وفي هذا السياق كان الشيوعيون الفلسطينيون (وهذه خلاصة المؤلف) هم القيادة الفعلية لمقاومة مثابرة تعزز الصمود بالمعنى الفردي والجمعي، والوطني والإنساني، خلال الفترة المذكورة.
وهذا، أيضًا، فصل يكاد يكون مجهولاً في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وأعني بذلك كفاح الشيوعيين الفلسطينيين في عقدي الخمسينيات والستينيات، ودورهم في الدفاع عن الأرض والحرية والهوية، وتوفير المقوّمات الثقافية والسياسية والرمزية للبقاء في الأرض.
أخيرًا، من بين الطرائف التي وردت في تقارير العملاء يكتب أحدهم تقريرًا عن أمسية يبدو أن سميح القاسم الشاب شارك فيها، فيتظاهر بالدهشة لأن القاسم يكتب عن الصواريخ وطائرات الميغ، لكنه لا يذكر شيئًا عن إسرائيل وسلاحها، ثم ينصح المسؤولين بضرورة توجيه أولئك الشعراء من جانب مديرية العلاقات العامة، أو القسم الثقافي في الهستدروت، ليصبحوا بناة للدولة لا قوى للهدم والصراع والقومية المتطرفة والعنصرية.
ما لم يعرفه عاثر الحظ، آنذاك، أن فلسطين كانت تُولد حينها في الجليل، وأن الكثير من مهندسي هويتها: سميح القاسم، وتوفيق زيّاد، وإميل حبيبي، وتوفيق طوبي وإميل توما كانوا تحت أعين العسس، يمارسون دور القيادة الثقافية والسياسية، وأن محمود درويش سيكتب لفلسطين الجديدة سفر الخروج ونشيد الإنشاد. وهذا وذاك من مكر التاريخ.
* كاتب فلسطيني
