قرية مسكة المهجّرة
حبيبتي يا ستّي،
هاظ أنا يا ستي. أي نعم، كبرت. تغلبيش حالك، تدوريش ع ندوب في رُكَبي، أصلا آخر مرة ركبت فيها البسكليت، كانت زمان.. لا عدت أركب ولا أندبّ يا ستي. آه والله، وحياة الله كلشي تمام، اطّمني يا ستي. ستي أنا بدي أسألك، بس تزعليش عليّ: صح، يا ستي، نص نصيص هو اللي رضع من بز الغولية الشمال ومش الشاطر حسن؟ أصلا الشاطر حسن مقابلش غولية غير أخته إم الحصى. صح؟!
صح انت مزعلتيش لأني مخربط بين القصص؟ هو مش أنا اللي مخربط، اشتريت كتاب خربطني. آه، اسمه قول يا طير، كان أول هدية بشتريها لصبية حبّيتها. لو تشوفي يا ستي، فيه كل القصص: طنجر طنجر، جبينة، الشاطر حسن، نص نصيص، الطير الأخضر، بيض فقاقيس، كلهم كلهم ما عدا إحدَيدُون، يا حرام يا حديدون!
**
كانت الجدة لا تحكي القصص الشعبية فحسب، إنما كانت تحمّل هذه القصص أوجاعها. كلما كانت تحكي لنا كيف اضطر أحد أبطالها إلى قضاء ليلته في العراء، كنا نراها تبكي بلا دمع، وهي تحكي عن الليالي العارية، التي قضتها عام النكبة في الجبل تسهر الليالي حماية لأطفالها من غدر العقارب وأخواتها!
كنا نغمض أعيننا خوفا أحيانا وأحيانا أخرى كنا نضحك استهتارا من "خراريف الختيارية".. كنا نستهتر، عندما كنا نجلب ألذ حبات البرتقال فتقول: برتكان البلد أزكى. عندما نقول بأننا مشتاقون للبحر كانت تتحسر وتقول: كانت بلدنا لحد البحر، كان لنا سبع موجات في البحر، ولما كنا نتعب من الشغل بالأرض كنا نروح ع البحر ع الخيل نتغسّل ونروّح. صبايا لحالنا لبالنا..
**
أصعب القصص لم تنته بالهجيج إنما امتدت إلى السنوات الأولى، بُعيد النكبة والنزوح إلى قرية مجاورة. حيث شظف العيش، وقلة الحيلة. حيث يضطر الرجال، إلى التسلل في الليالي المظلمة إلى قريتهم المهجرة "ليسرقوا" ما جنت أيديهم وما خبأوه بأنفسهم في قففهم. حيث ينظر إليك أهل البلدة المضيفة، بلدك الجديدة، بعين من الشك والريبة في أسوأ الأحوال ويعاملونك بشفقة في أحسنها. حيث ينظر إليك رجال السلطة والحاكم العسكري بأنك الحلقة الأضعف فيبذلون الجهود الأكبر لابتزازك. حيث يطردك مشغلك من العمل لمجرد الابتسام في الطريق لعرق بامية لم يغرسه أحد سواك، وحيث كان "يوم استقلالهم" عيدا حقيقيا بالنسبة إليك، تنتظره على نار لأنه اليوم الوحيد في السنة الذي يسمح لك بمغادرة القرية دونما حاجة إلى تصريح الحكم العسكري فتهرول إلى قريتك المهجرة.
**
ستي،
أنا مقصديش بس ع القصص إللي كنت تحكيلنا اياها واحنا بحضنك، لما كنت بدك تنيّمينا أو تهدّينا شوي.. أنا بحكي ع هذيك القصص اللي كنت تحكيها لحالك وانت بالمطبخ، لما كنت تغني أشياء، وانت تنقّي بالعدسات، ولا مرة فهمتها بس كنت أفهم إنها كلها وجع بوجع ع بلدكم، وع الطلعة منها.. هاي القصص يا ستي، هاي الغناني، آخ بس لو يصحلي أسمعها أخرى مرة، أحفظها وأسجلها.. هذيك اليوم، سمعت عمتي بتقول: "سقى الله والبين بعيد عنّا.. وطير النيا بعيدٍ عن بيتنّا.. ساق الله ونرجع ع دارنا.."
ع سيرة الرجعة، بتعرفي شو صار معي مرة زمان، كانت عمتي الكبيرة ع حفة الموت، مقعدة يمّ لا بتروح ولا بتيجي. قعدت سنين هيك، ما بتشوف غير باب بيتها من الساحة الورانية.. جننتني وهي تقلي خذني ع البلد، رجعني ع داري. والله أنا مش خياب، قلتلها: قومي. والله وقامت. صارت تمشي شوي شوي والله وبعد أكثر من ساعة وصلنا مدخل الدار القدّماني، قلتلها خلص أظحنا وصلنا. اطلعت مليح وقالت: لأ، هاظ مش بيتنا.. قلت ولاو: كيف عرفت إنه هاظ مش بيتها اللي طلعت منه من 60 سنة، وما عرفت إنه هاظ بيتها إللي صارلها فيه 60 سنة؟ كيف؟ انت بتعرفي يا ستي؟
**
"لقد كان أهم ما حمله الفلسطينيون معهم عند تهجيرهم من مدنهم وقراهم مفاتيح بيوتهم. هذه المفاتيح ليست مجرد أدوات مادية وغنما هي، قبل كل شيء، رموز مهمة لحفظ الذاكرة الفلسطينية الجماعية؛ فالبيت كان المكان الذي دارت فيه حياة العائلة. والعائلة لم تكن منفصلة، وإنما كانت جزءا من المجتمع المحلي الذي عاش فيه الأقارب والأصهار والأصدقاء والجيران والأحياء والإخوان.
كان الانتماء إلى القرية هو الذي يعطي الفرد الشعور بالطمأنينة والدفء والهوية الصلبة الثابتة. وبالتالي فإن الحكايات (..) هي مفتايح رمزية لذاكرتنا الجماعية. إنها تعزز هويتنا الفلسطينية وتضمن استمراريتها وستستمر هذه الحكايات في الحياة ما دمنا نعرف ونعي من نحن." (من كتاب "قول يا طير"، أيلول 2010، شريف كناعنة وابراهيم مهوي)
**
أنا يا ستي كنت مفكر إنّي بعرف مين أنا. كنت متأكد. لحد ما مرة، مش زمان بـ 2006، قررنا أنا ومجموعة من الشباب والصبايا نرمم مدرسة بلدنا المهجرة. شدينا الهمة وبدينا نعمل فيها نشاطات مرتّبة. عرضنا مسرحية للكبار اسمها "ذاكرة" وللصغار، إسمها "العم متّى" جبنا أدباء وشعراء وأجو متضامنين يهود وما شالله، كله تمام. وبيوم من الأيام، جينا ع المدرسة لقيناها بيّارة. آه، بيارة، بليلة واحدة، هدوا المدرسة، نظفوا الساحة من الإسمنت وزرعوا شجر حمضيات. بالألفين وستة يا ستي، بالألفين وستة..!
**
أتذكر الجدة فأبتسم شامتا بمن انتظر موت الكبار لينسى الصغار. أتذكر الجدة، فأكتئب حين أسمع منّا من يدعي أننا نحن الجيل منتصب القامة وأن جيلها المقاوم كان منهزما ومنحنيا. أتذكر مدرسة البلدة التي هدمت فأتذكر: أنا لا أعرف من هذه البلدة إلا مدرستها، أنا لا أحن إلى هذا المكان. لا بأس فالقصة ليست نوستالجيا دراماتيكية، إنما هي قضية حق، الاعتراف به، المفتاح الأول نحو غد أفضل، ولا فرع إلا بالأصل.. وانت الأصل يا ستي!
