أسئلة 25 يناير - القتل بالحنين وبدونه

single

أفزعنا صوت الانفجار..
إنه بالقرب منا..
في قلب البلد.. الانفجارات تجاوزت حدودها التقليدية ووصلت إلي كل مكان.. الصوت كان دويا سمعه سكان من كل أرجاء القاهرة.
انفجار بعد لحظات من تصريحات عنترية لوزير الداخلية.. «الجدع يقرب».
انفجار بعد أن دعت كل الأطراف المعادية لثورة 25 يناير للاحتفال بها..
انفجار بعد أن دعا الوزير العنتري الشعب ليحتفل..
وبعد أن ارتبك الثوار..
وأكمل الإخوان استعراضهم الانتحاري ببيان ركيك استفزازي في اعتذاره المزيف عن جرائم يسميها أخطاء. ويعمم الوقوع في الخطأ. كأن رغبته في العودة للحكم ثورة وقطعه الطريق على بناء نظام ديمقراطي جزء من العمل الثوري.
انتحار الإخوان في تصورهم أن الثورة مجرد جسر. لم يتعلموا سياسة رغم كل ما مروا به. وما زالوا يريدون إقامة تحالفات الفرقة الناجية التي تقتل الحلفاء بمجرد الوصول إلي السلطة ثم تدعوهم بعد فقدانها إلي تحالف جديد.. انتحار. وانفجار. وغضب مرتبك محتقن. وموالد «كمل جميلك» و«بأمر الشعب» تحمل صور السيسي في أفراح الاحتفال وبجوار انفجارات الموت.
هكذا تأتي 25 يناير الثالثة. والمشهد عبثي. بين إرهاب يعاقبنا على رفضنا لحكمه. وأمن يعجز عن حمايتنا وحماية نفسه. وهما في حربهما علىنا لا يتحققان إلا بالتسلط والوصاية الكاملة.
وكما كتبت قبل أيام في افتتاحية «السفير» «تبدو مصر إذن في مفترق طرق أشد خطورة. يحكمها الحنين والشعار لا السياسة والرؤية. الهستيريا سيدة الموقف سواء عند من أعادوا زمن إجماع الـ99% ليصل شعورهم بالنصر على الخوف إلي حد التشبع. أو الذين لم يعد لديهم سوي التوحد مع المظلومية.
كلاهما يؤدي إلي الآخر. حلقة مفرغة. تتصارع فيها الهستيريا بديلا حقيقيا عن الوجود سياسيا أو اجتماعيا أو حتي على مستوي الحياة الشخصية.
الطرق كلها متخمة بالشعارات واستعراضات القوي. وسرديات الانتظار الكبري تحول الشعب بين شهيد وجندي في سرية حرب تبدو أحيانا من أجل الحرب.
المجانين وحدهم يتخيلون أنه يمكن القضاء على الخصم بالضربة القاضية للوصول إلي النقاء الفاشي النبيل. لكنها فاشية بلا إنجازات ولا معارك ملهمة ولا برنامج سياسي. ولهذا فإنها فاشية متخيلة. قادمة من عالم افتراضي يشبه عالم الإسلاميين الذي سقط في لحظة السيطرة على الواقع.
كتبت أيضا أنه بعد اصطياد التمساح مبارك ووضعه في متحف المومياوات..لا أحد يسيطر على الواقع. كلها إسقاطات من عالم الفانتازيا الفاشية. قبائل تتصارع وطوائف تتصادم دون مشاريع سياسية. ولا خطوات من أجل بناء نظام جديد. كلها استلهامات للتواريخ وطقوسها من الاستفتاءات الناصرية إلي المبايعات الأموية مرورا بتنظيمات الحشاشين ومظلوميات الخوارج. كل هذا الجنون يبني سلطة لا نظاما. بمعني آخر فالجنون هو بناء سلطة على كل هذا الفراغ الكبير في الدولة والمجتمع. فراغ الخوف وصرائع الغرائز المتوحشة. وهذا لن يؤدي في النهاية إلي شيء سوي إعادة المتاهة نفسها. سلطة تتسلح بآلتها الأمنية وجماهيرها الخائفة بينما تتقدم جماعة الإخوان بسلطويتها المتصدعة صفوف المطالبين بالديمقراطية.
كلهم يدعون إذن للاحتفال بيناير. حتي من اعتبرها «نكسة» أو من تخيل أنه راكبها الوحيد. الشرطة تعلن أنها ستحمي الاحتفال. والثوار يقولون إنها «ثورة من جديد». والإخوان يريدونها «نهاية الانقلاب».. احتفال الهستيريا بذاتها يبعد السياسة ويعلى من الحنين إلي لحظات عصية على الاستفادة من دروس ثلاث سنوات كاملة من خسارة نال كل طرف نصيبه منها.. وإدراك بأنه لا قوي تقليدية حتي المسلح منها قادرة على الحسم النهائي.
والحنين إلي 25 يناير يشبه إلي حد ما السعي إلي حذفها. مجرد رغبة قاتلة.
هي سنة أخري عابرة.
ومصر تقترب من المفترق بإدراك أن لا أحد قادرا على تجاوز 25 يناير أو العودة إلي ما قبلها أو محوها من الذاكرة. ستظل بانتصاراتها الكبيرة وإحباطاتها وخيباتها وأملها حاضرة في المستقبل ومؤرقة.. حضور إما بالخيبة أو بكسر الحواجز ليفكر لمجتمع. بعيدا عن السلطة. في كل شيء.. أي أنه حتي لو هزمت الثورة في معركة السلطة. فإنها ستكون قد اخترقت الحصار الحديدي على المجتمع وأصبحت أمام «ثورة في الثقافة...» أي ثورة على الذات وأبعد من مجال السياسة المحض. أي في الصراع من أجل حياة وسعادة لا من أجل تحويل المجتمع إلي كتائب في انتظار قائدها.
وهذه رهانات أكثر اتساعا وراديكالية.. فمع المجتمع النائم في غيبوبة الحنين تهزَم الثورة قبل السلطة أحيانا.



("التحرير" المصرية)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الحزب الشيوعي والانتخابات

featured

خميرتنا وخميرتهم

featured

أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر!

featured

راية المقاومة مرفوعة، ولن تسقط حتى يسقط الاحتلال

featured

القرضاوي يتطاول على سيد المقاومة

featured

خاطرة في العتمة تعرف نجومك

featured

فاشية حكومية ضد مسرح

featured

الرأس الأحمر.. صراع على البقاء