أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر!

single

قرأت ما كتبه أستاذنا وكاتبنا الأصيل الصديق محمّد نفّاع في مقالته "قاتل من بلاد القيرغيز". قرأت بمتعة وترقّب كعادتي في قراءة كلّ ما يكتب. قرأت ورغبت في أن أسجّل عنده بعض الملاحظات العاجلة، هي كلمة حقّ أقولها، وهو ليس سلطانا أصلا ولا جائرًا ولا حائرًا ولا خائرًا، لم يكن يومًا كذلك ويبدو أنه لن يكون.
أولا: إنّ الحالة العربيّة المحتقنة مردودة في أصلها بكلّ تفصيلاتها وحيثيّاتها إلى أنظمة الجور والاستعمار وأدوات الجلد والبقْر والسحل، جلد الشيوخ وبقر بطون الحبالى وسحل جلود الرجال والشباب. لم يتحرّر الإنسان العربيّ من الاستعمار باستقلاله عن المحتلّ الأوروبيّ منذ سنوات الأربعين. رحل المستعمِر الغربيّ عن أرض العرب ولم ترحل معه عقليّة الاستعمار وذهنيّته، فحلّ محلّه مستعمِر ينطق بالعربيّة هو أسوأ ممّن كان يرطن بغيرها. لا يمكن أن نسمّي ما يحدث من توريث أنظمة الحكم العربيّة كلها إلا شكلا مقيتًا من أشكال الاستعمار الجديد، هكذا "يقرفصون على رقاب العباد بالوراثة" مثلما يقول نزار قبّاني. رحل المستعمِر الغربيّ بعدّته وعتاده من الشبّاك ليعود إلينا من الباب الذي يفوّت جملا.  وهل كان آل زيد وآل عمرو وآل حسن وآل حسين وآل بطّيخ من محيطها الغربيّ إلى خليجها الشرقيّ أفضل من المستعمِر الأجنبيّ الذي جاءنا من وراء البحار؟! كلّ مآسينا من أقصاها إلى أقصاها مردودة بصفة أو بأخرى إلى سلاطيننا كلهم أينما حلّوا وأينما ارتحلوا. لا، عذرًا المشكلة أنهم يحلّون ولا يرتحلون أبدًا. أقول هذا الكلام وأبيات معروفة لطرفة بن العبد والشنفرى ما زالت ترنّ في رأسي لا تعتقني. رحم الله طرفة بن العبد ورحم الله شاعر اليمن الشنفرى ثابت بن أوس الأزدي.
لست رفيقًا. ولا أدري إذا كان يحقّ لأيّ صديق أن يُقحم نفسه بين أفراد الأسرة الواحدة. يبدو لي أنّ الخطاب السياسيّ على نحو ما يظهر في بعض المقالات والأخبار المنشورة في الاتّحاد يعدل أحيانًا عن نصرة الشعب العربيّ السوريّ إلى نصرة السلطة نفسها من باب الخلط بينهما. في ظنّي وتقديري ينبغي لكلّ حزب ثوريّ أن يحافظ على مسافة واضحة بينه وبين السلطة أيًا كانت أينما كانت ومتى كانت حتى يظلّ مستنفَرًا قادرًا على فعل الرقيب الحريص حين يقتضي الأمر ذلك. أنا لا أمجّد أحدًا ولا أزكّي إلا الشعوب المقهورة. أنا مع الشعوب العربيّة ضدّ كلّ أشكال الاستعمار الموروثة والمكتسبة من الداخل والخارج إن كانت بالعربيّة أو تفريعات اللاتينيّة. أنا مع أبي ذرّ الغفاري ولست مع بني أميّة. ورحم الله أبا ذرّ. لماذا نصرّ على أن يظلّ خيارنا ممدودًا بين حدّي السيّئ والأسوأ؟! لماذا نستكثر على أنفسنا الخيار بين السيّئ والأحسن؟! لماذا نقنع أنفسنا بمفاهيم بيولوجيّة متوارثة أنّ النهج الديموقراطيّ لا يتوافق مع عقليّتنا الصحراويّة القبليّة؟ ويل لنا إذا صرنا نحنّ إلى عهد مبارك والقذّافي وزين العابدين بن علي وأمثالهم! لا يمكن أن يكون ثوريًا خيّرًا من لا خير فيه لأهله وشعبه.
ثانيًا: نعم إنّ الديموقراطية قد أفرزت قتلة مجرمين أوصلتهم إلى سدّة الحكم وأوصلتنا نحن البشريّة إلى الحضيض. هتلر أكبر نموذج. لكنّنا بمنطقنا الفلّاحيّ البسيط نقول: "تخرب بإيد الكل ولا تعمر بإيد واحد". لا يخلو هذا المثل أو القول المأثور من منطق رغم الروح القبَليّة التي تقف وراءه. وتظلّ الديموقراطية جزءًا من الجواب لأنها هي التي تضمن الرأي والرأي المضادّ وهي التي تكفل للأقليّة حقّها، هي التي تكرّس ثقافة التداول وفي التداول تنافس في الخير وفي التنافس إنصات لنبض الشعوب. لا أتحدّث عن ديموقراطية أمريكا ولا أوروبا ولا إسرائيل. أحبّ الديموقراطية صافية نقيّة غير منسوبة لأحد. نقطة. نقطة كبيرة بحجم "زقلوطة" لبنة.
ثالثًا: إنّ العلاقات الخارجيّة هي علاقات تحكمها مصالح وحسابات سياسيّة وعسكريّة واقتصاديّة واستراتيجيّة. لا يحارب أحد من أجل أحد، ولا حتى العرب لصالح الفلسطينيين إن لم يكونوا يحاربون ضدّهم أصلا لحساباتهم ومصالحهم بطبيعة الحال. لا يحارب الأمريكان ولا الروس لسواد عيني الأسد. المسألة مسألة مصالح. صحيح، من تلتقي مصالحه مع مصالحي فهو حبيبي وأخي وابن عمّي ومن تصادمت مصالحه مع مصالحي فهو الخصم والعدوّ الغريب. وقزّ غريب. مع هذا، يظل الذي يضرب بسيفي لتلاقي المصالح "مصلحجيًّا" بالمفهوم الاستراتيجيّ العميق وإن كان حبيبي وأخي وابن أمي وأبي. وهل نحن بهذا الخبل حتى نصدّق بأنّ هؤلاء المشايخ يضربون بسيف الإسلام أو حتى بسيف أهل السنّة والجماعة؟ أو يدافعون عن مبدأ الديموقراطية التي تضرب أطنابها في عمق رمال نجد والتي لم يسمع بها أحد في سوريا أو اليمن؟ أليسوا في الأصل والمحصّلة الأخيرة دمى تؤدّي دورها المرسوم في مسرح خيال الظلّ يحرّكها الغربيّ بكلّ لغاته وألوانه وراء الكواليس وقدّامها؟! كلّ المسألة هي مسألة في المصالح الخاصّة والكراسي، يعرف هؤلاء كيف يتشبّثون بها حتى وإن كانت من قشّ وبدون ظهر.
رابعًا: سُئل النبيّ العربيّ (صلى الله عليه وسلّم): أيّ الجهاد أفضل؟ فقال: كلمة حقّ عند سلطان جائر. سمعت العلّامة المرحوم محمّد سعيد رمضان البوطي مرّة، وهو الذي اغتيل وهو يلقي درسه الأسبوعيّ في أحد مساجد دمشق الكبرى، سمعته يناقش المعارضة السوريّة من خلال شرحه للحديث النبويّ الشريف "أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر". والكلام مسجّل ومشهد الاغتيال مسجّل أيضًا. كان البوطي الذي قرأت له ثلاثة من كتبه العميقة يركّز على لفظة "عند" الواردة في الحديث. وهذه "العنديّة" التي أقام المعنى عليها هي التي تحدّ الحدّ بين الرغبة في التصحيح والتقويم وبين الفتنة في تقديره. حتى تكون كلمة الحقّ تصحيحًا وتقويمًا عليها أن تكون عند السلطان، أمامه على مرأى منه ومسمع، عند حضرته. وإن كانت غير ذلك فهي للفتنة. ما يعني في المحصّلة النهائيّة أنّ البوطي يدعو المعارضة للحوار مع السلطة في سوريا ولا يدعو لغيره حتى لا تصير المعارضة فتنة تأكل الأخضر والأصفر. على العموم والإطلاق كلام جميل ومنطقيّ. نعم تعنيني الخواتيم بخطوطها العريضة ومحصّلاتها النهائيّة، لكنّ التفاصيل الصغيرة تعنيني أيضًا. والشيطان حتى إبليس نفسه قد يختبئ بين التفاصيل الصغيرة. يجوز أن تكون السياسة معنيّة بالغايات أكثر من عنايتها بالوسائل. لكني لست سياسيًا إلى الحدّ الذي يُفقدني البوصلة العامّة. وحتى أزيل كلّ أثر لالتباس محتمل أؤكّد دعمي لضرورة الحوار بين المعارضة والسلطة في سوريا بكلّ جوارحي، وأنا لا أتحدّث عن داعش طبعًا، ولا أؤيّد سواه حرصًا على سوريا، على شعب سوريا.
والسؤال هل كان السلطان الجائر يسمح بمثل هذا الحوار عنده؟! عدد المساجين السياسييّن ومعتقلي الرأي في زنازين العالم العربيّ أكبر من عددهم في كلّ سجون العالم مجتمعة! هذا ليس من عندي، هذا ما تقوله بعض الإحصائيّات في الأمم المتّحدة. ماذا نتوقّع من رجل فقد حنجرته، مُزّقت أوتار صوته وصار لا يحلم إلا بالرغيف طاويًا؟ ماذا نتوقّع من رجل فقد كلّ أسباب الرجولة بعيون أهل بيته الذين يرجون الخلاص عنده ولا يرجونه عند غيره؟! كيف لا يخرج هذا الرجل، أو ما بقي من رجولته المطحونة، شاهرًا سيفه بكفّه التي قُطّعت؟! رحم الله عليًا بن أبي طالب وأبا ذرّ الغفاري إن كان هو من نقل هذا الحديث وإن لم يكن!
لكن ليست تقارير الأمم المتّحدة هي مادّتي الأولى للنظر إلى الأمور بل هو الأدب بحكم شغلي. مثلما نقرأ الحالة الفلسطينيّة مثلا بكلّ أبعادها وتبعاتها وإفرازاتها الفوقيّة والتحتيّة من خلال الأدب الذي ينتجه مبدعونا، وعلى رأسهم محمّد نفّاع نفسه، هكذا بالضبط نقرأ الحالة العربيّة كلّها. هذا ما فعلته بالضبط الدكتورة لينة الشيخ حشمة في أطروحتيها للماجستير والدكتوراة. وهذا ما فعله الكاتب الدكتور محمّد هيبي أيضًا في أطروحته للدكتوراة. قرأ الدكتوران العزيزان العلاقة بين السلطة ورقيبها من جهة وبين الأدب من الجهة الأخرى في بعض الدول العربيّة المركزيّة وسوريا على رأسها. من يقرأ هذه الأطروحات العميقة لا بدّ أن يحمل معدة تمساح أو معدة قرش قادرة على أن تصهر حتى المعادن. اسألوا الدكتورين العزيزين وهما يصدقان الجواب!
حضرت محاضرة لإدوارد سعيد في أكبر قاعات جامعة لندن في كليّة الدراسات الشرقيّة والإفريقيّة المعروفة (SOAS). لا أذكر تمامًا هل كان ذلك أواخر عام 2002 أو بداية عام 2003. وكان سعيد قد تحدّث عن قضايا كثيرة وكبيرة وعرّج على بعض السلبيّات في ممارسة السلطة الفلسطينيّة آنذاك، فقام أحد الطلاب الفلسطينيّين لمّا أخذته الغيرة وحرصه الفطريّ على شعبه وسلطته واعترض على هذا النقد وقال يعاتب الأستاذ الفيلسوف: لماذا تنشر غسيلنا الوسخ على الملأ؟! فقال الفيلسوف إنّ الغسيل الوسخ يحتاج إلى شمس حارّة وأحيانًا حارقة حتى ينشف وينظف ويتطهّر.

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا للطرق الإلتفافية

featured

الصدر في السعودية.. ما هي الرسالة؟

featured

ما لم أرَه في وطني!

featured

موقف مثير للاعتزاز

featured

الخطوة الضرورية الأولى

featured

كفرياسيف النوّارة ونوّارة كفر ياسيف