" أيُّ عقلٍ انطَفأ
أيُّ قلب ٍ توقفَ عن الخفقانِ "
هذا ما قاله إنجِلز أمامَ قبرِ صديقِ عمرهِ كارل ماركس. ولقد علمتنا أن نتمثل بهما. وكم كانت عيناكَ تتلألآنِ بريقًا، حين تذكرُ أمامَنا أنَ إنجِلز كان يقولُ: إنَ ماركس كان العازفَ الأولَ وأنا الثاني.
لقد تتلمذْنا على يديكَ وسِرْنا في طريقِهما، أيُّها القائدُ! وها نحنُ نذكُرُكَ وأنتَ في حضرتِهما، يا فقيدَ الحركة الشيوعية، دونَ أن ينطفئَ ما أبدَعَهُ عَقلُكَ ودونَ أنْ تتوقفَ الدُّنيا عن الخفقانِ بنبضِ قلبِكَ.
كانتْ أُمُّكَ تُناديكَ، في طُفولتِكَ: يا جَمَلي، يا قَبَّاري! وأنتَ شَبَبْتَ تَرصُدُ هَمَّ الناسِ لِتَحمِلَهُ مَعهُم وَلتَجمَعَهُم تَحتَ رايةِ الْكفاح، فَكُنْتَ جَمَلَ مَحامِلِ الحِزبِ والجماهير.
لقد حَمَلَ لنا الغَيمُ كَلماتِكَ الأخيرةَ، وأنْتَ تُصارِعُ الموتَ مُخاطبًا حَبَّاتِ قَلبِكَ: " يا روحي!" هذا الرّوضُ من حَولِكَ هو روحُكَ المتَدَفّقة جمالاً وكِفاحًا، يا روحَ الكفاحِ المُلتَهبة نارًا على الظالمين ونورًا للمظلومين.
أعطيتَنا وَعْيَكَ. أعطيتَنا شبابَكَ. أَعطيتنا مهنتَكَ. أَعطيتَنا أرضَكَ. أَعطيتنَا نهارَكَ. أَعطيتَنا لَيلكَ. أعطيتَنا عينيكَ الجميلتينِ. أعطيتَنا صحّتَكَ وأنتَ تَرشُّ على موتِها السُّكَّرَ.أَعطيتَنا حُرّيتَكَ ولم تأخذْ سوى قبرِكَ.
أيُّها المُسَجَّى تحتَ مطرِ كانون، دونَ أن تتبلَّلَ، وكأنَّكَ تُخطّطُ لأمرٍ ما. خطِّطْ ليومِكَ، لِغدِكَ. خطِّطْ لِبلدِكَ، لِشَعبِكَ. خطِّطْ لِفرعِكَ، لِحزبِكَ. خطِّطْ لأبنائِكَ. كُلُّهم أبناؤُكَ. رُبَّ أبٍ لنا حَنا علينا، أمطرَ علينا فكرَهُ وسقى جفافَنا. رُبَّ قائدٍ لنا يُسَجَّى تَحتَ فيضِ عيونِنا، دونَ أنْ يَتَبلَّلَ، يَظلُّ في نفوسِنا إلى الأبد.
أرجو منكَ وأنتَ تنامُ بينَنا بِجَسَدِكَ الطفوليِّ الغضِّ كأوراقِ الدّوالي، التي كُنتَ تعتني بها في حاكورتِكَ العامرةِ بأنفاسِكَ، أنْ تسامحَنا حينَ آلمناكَ وأنتَ تُضَمِّدُ جراحَنا، حينَ صرَخْنا بِكَ وأنتَ تَصبُّ لنا فنجانَ القهوةِ، حينَ شهّرنا بِكَ وأنتَ تدافعُ عن سمعتِنا، حينَ رجمناكَ من الخلفِ وأنتَ تصدُّ هراواتِ أذرع ِ السلطةِ الظالمة بيديكَ. أراكَ تبتسمُ في نَعشِكَ. والصمتُ اليومَ سيِّدُ الكلامِ. فهل سامحتَنا؟!
كُنتَ وأنتَ تنظِّمُ الكفاحَ، وتصولُ وتجولُ في ميادينهِ، تنتَبهُ لكلِّ شاردةٍ وواردةٍ ولا يَخفَى عليكَ أيٌّ تفصيل ٍ. لكنَّكَ غفلْتَ، يا معلِّمي، عن شيءٍ واحدٍ وهو: أَنكَ لا تموتُ حينَ ترحلُ. ولقد خفيَ عليكَ شيءٌ واحدُ أيضًا وهو: أنكَ حينَ ترحلُ فإنَّكَ ترحلُ إلينا وليسَ عَنَّا.
ستبقى ذكراكَ المجيدة مضيئة ما طَلَعَتِ الشَّمس!
(ألقيتْ في جنازة الرفيق نمر مرقس يوم الخميس 31/1/2013 في أثناء مراسم تشييع الجثمان في قاعة المركز الثقافي في كفرياسيف)
