أفكار وهواجس ما بعد الانتخابات/ ماذا بعد؟

single

  
كلّنا نريد لهذه الفترة أن تكون ذات نقاش وأبحاث جريئة ومثمرة تعود بالفائدة على مستقبل الجبهات المحلية، والذي يصبّ بالتالي في مصلحة الجبهة القطرية وجمهورنا العربيّ وقضاياه الأساسية: قومية ويومية والقوى الديمقراطية اليهودية وقضية شعبنا الفلسطينيّ والسلام العادل والثابت، كما هي في رؤيتنا.
أودّ أوّلًا أن أركِّز على ما يشغل الرّفاق جميعًا في الفروع والمناطق والهيئات المختلفة إثر التراجع الحادّ في إنجازات الجبهة في الانتخابات المحلية الأخيرة، غير متجاهلين أنّنا لم نحقق من قبل في الانتخابات البرلمانية ما يُذكر، فقد حافظنا على قوّتنا ولم نزد قطُّ. وأنا بالتأكيد أعرف وأعي وأحسّ بالروح السائدة في وجدان الرفاق بعد الإعلان عن النتائج، وكذلك الشعور بخيبة الأمل من الخسارات في كثير من المواقع، وبخاصة الكبرى وأبرزها الناصرة.
لذلك اقترح وضع النقاش الجبهوي بين الرفاق في الهيئات المختلفة تحت أربعة عناوين، وهي:
*الظروف الموضوعية: بمعنى أنّه لا أحد ينكر صعوبة الظروف السياسية والأوضاع الاقتصادية والمعيشية للناس خاصة بين العرب، ولكن هذه لا يجب أن تكون مشجبًا نعلّق عليه إخفاقاتنا المتتالية، هذه الإخفاقات التي تتناسب مع قصوراتنا المتراكمة قطريًا ومحليًا، ولا ننسى أنّنا نحن أيضًا نشكّل ظرفًا موضوعيًّا مهمًّا من تلك الظروف.
*الشفافية والجرأة: بمعنى أنّه لا أحد فوق النقد، إنّ جلالة الموقف وخوفنا على مصير حزبنا وجبهتنا ومستقبل شعبينا، كل ذلك يستدعي من الرفاق جميعًا، الجرأة والشفافية في التحليل وعدم التهيّب من توجيه النقد الهادف.
*تلطيف الأجواء: بمعنى نحن لا نُجري هذا النقاش من أجل النهش في لحم بعض، ولا من أجل ترسيخ اليأس وتعميق خيبة الأمل، يجب أن يكون نقاشنا رغم الضربة التي لم تقصم ظهورنا هادفًا إلى استعادة الأمل والنشاط والفاعلية لدى رفاقنا ومحاولة جادّة لإعادة العمل التنظيمي في هيئاتنا من الأعلى إلى الأسفل.
*الابتعاد عن الشخصنة: إنّ تلطيف الأجواء بين الرفاق أثناء النقاش يقود إلى الابتعاد عن الشخصنة والتلاوم والتجريح، حتى لو ذُكر اسم ما في النقاش، فليس القصد شخصه بقدر ما يكون هذا الشخص عضوًا واحدًا، بمعنى أنّه جزء هامّ ولا يتجزأ من البناء الجبهوي.


*وبعد..*


ما حدث هو تراجع عامّ ومتواصل، وفقًا لكلّ المعايير، لا يجب أن يقود لليأس بل على العكس يجب أن يؤدي إلى شحذ الهمم وتجديد النشاط الجبهوي والبحث عن برامج وإبداعات خلّاقة في تكثيف وتنويع الفعاليات بين الناس، وليس من خلال المؤسسات البلدية بل من خلال المؤسسات الجبهوية التي يجب العمل على تقويتها اذا وجدت وعلى إيجادها إذا كانت غير موجودة.
هل صار المعيار لقياس قوة الجبهة أو ضعفها قطريًّا أو محليًّا هو نتيجة الانتخابات؟ نعم هذا معيار واحد ومهمّ، ولكنه ليس كل المعايير، لأنه لو صحّ ذلك لتحوّلنا إلى حزب وجبهة هي لا أكثر من قائمة انتخابية موسمية، لا نشاط لها ولا أثر في حياة الناس وقضاياهم اليومية، ولسقط شعارنا الذي رفعناه دائمًا جبهة قضايا كلّ الناس كلّ الوقت، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى واقعنا المرّ الذي ينطوي على انحسار عن الناس وعن سماع أحوالهم وانشغالاتهم وهمومهم، وانحسار التنظيم وضعفه وانحسار واجب الانتماء وانحسار عملنا إلّا في معالجة مشاكلنا الداخلية، ويا ليتنا نستطيع ذلك.
وماذا يحدث بعد أن نصل إلى السلطة المحلية؟ هل في أدائنا البلدي تميّز عن غيرنا، هل نجري تطويرًا وتحسينًا في وعي الناس عن ماهية السلطة المحلية، وعلاقتها مع المواطن، ومع السلطة المركزية، ومع واقع السياسة الحكومية المركزية ضد الحكم المحلي، وبالذات في المجتمع العربي، أم نتحوّل إلى رئيس وكتلة لهما جبهة تخدمهما وبخاصة عند "التستير" على أخطائهما، وحول هذا القطب المتجمد تدور دوائر الوصولية والمصالح الذاتية، ولقد انتقلت العدوى إلى الرفاق أيضًا، وتحول البعض إلى منتفعين أو إلى يائسين أو منزوين حتى تنقشع الغيوم، وقد لا تنقشع إلاّ بعد خراب "بُصرى" وانقسام الجبهات المحلية إلى اثنتين وثلاث، وتبدأ رحلة معاناة التوحيد، والتي لم تنجح القيادة في حلّها ولا في مكان. والأمثلة كثيرة: شعب، كفرياسيف، طمرة، الجديدة، وهناك بوادر تلوح في الأفق القاتم.


*أمثلة*


- النّاصرة: نتيجة الانتخابات في الناصرة تقول انّ جبهة الناصرة لم تدرس ولم تقدّر تقديرًا صحيحًا الحالة الموضوعية في هذه الانتخابات، وكذلك لم تتعمّق في تحليل الواقع النصراوي المستجَدّ، بل اعتمدت على معطيات الماضي، وهذا لم يكفِ لتحقيق المتوقع حتى مع مرشّح ممتاز كرامز جرايسي، وكان على جبهة الناصرة أن تتعمّق أكثر في الدراسة والتحليل للواقع الجبهوي خاصة والنصراوي عامة. لقد كُتب الكثير عن علي سلّام، وأهمّ ما كُتب أنه ارتمى في أحضان الليكود وجابسو والقوى المناوئة للجبهة، ولنسأل أنفسنا كجبهويين: ألم نساهم نحن في هذا الارتماء؟ ألم يكن علي سلّام عضوًا في الجبهة؟ ألم يكن نائبًا للرئيس على مدى 15 عامًا؟ ألم تستطع جبهة الناصرة طيلة هذا الوقت أن تستوعبه وترشحه فيما بعد؟ ورغم أنّ علي سلّام لم يقبل أن يترشّح كغيره ولم يكن مستعدًّا لقبول الحسم الديمقراطي، وهذا مرفوض كمبدأ، إلا إنني اعتقد أن الذين عرضوا عليه ذلك، إنّما أرادوا مسبقًا إسقاطه، زاعمين بظنّهم أنّه "لا ينفع"، وهو الذي كان "ينفع"  كنائب للرئيس، وكأنّ نائب رئيس بلدية الناصرة هو منصب بلا قيمة ولا مكانة. كان لا يجب أن تخسر جبهة الناصرة هذه المعركة بشخص رامز جرايسي، وكان على رجل بهذه القيمة والقامة أن لا يوافق على الترشّح مهما كانت التعليلات والتقييمات، وكان يمكن لجبهة الناصرة أن تخسر بمرشّح آخر، وكان من الممكن أن يكون علي سلّام مرشّحًا للجبهة هذه المرة لو كانت الظروف الجبهوية مهيأة. ونقول انّ "فوز" علي سلّام حتى هذه اللحظة على الأقلّ كان بسبب "جرفه" لأصوات الباقين من قوى "التجمع" و "الحركة الاسلامية"، وهم الخصوم الألدّاء للجبهة، فهل توقّعنا أن نكسب من أصواتهم؟ وأهمّ ما كان يشغلهم هو إسقاط رامز جرايسي والجبهة.
   أقترح أن لا نتابع الموضوع القضائي وأن نترك لعلي سلّام أن يقود البلدية في هذه الدورة، ونترك لأنفسنا على مدى هذه الفترة لندرس ونحلّل ونستنتج ونعود إلى أنفسنا وإلى الناس، فمهما يكن فلجبهة الناصرة ثقل ومكانة كبيرة في ضمائر النصراويين.
- طمرة: الجبهة في طمرة كانت في السلطة البلدية لفترتين متتاليتين، مرة قبل الانقسام ومرة بعد الانقسام، ماذا جرى حتى لم تصل أن تكون في المنافسة هذه المرة؟ هل لأنّ المرشّح تغيّر؟ أم لكثرة المرشّحين؟ ألم يسقط المعيار العائلي الكميّ؟ ألم تكن فرصة لرأب الصدع؟ وإعادة اللحمة مع الكوادر الذين نقرّ جميعًا أنّ من بينهم الكثير من الجبهويين الصادقين، أهكذا يبقى رأي الفرد هو الطاغي؟ وبجرة قلم وفورة عناد يقرر أنّ عددًا كبيرًا من الرفاق معادٍ للجبهة؟ مع أنّ لي الكثير من المآخذ على سلوكهم الجبهوي، كيف نسمح لأنفسنا كجبهويين أن نربح السلطة ونخسر الجبهة؟ أن نربح كتلة من بضعة رفاق ونخسر العشرات منهم، إن فرع الجبهة المتين والقوي والمنظّم والممتدّ والفعّال هو أهمّ برأيي من كلّ السلطات.
- دير الأسد: لا أحد يدّعي أنّ اتفاق التناوب بعد الجولة الأولى بين المرشحيْن المتنافسيْن هو للمحافظة على الهدوء والسلم الأهليّ، لأنّه في هذا البلد لم تُسجّل من قبل أية خلافات أو خصومات، هذا أولاّ، وثانيًا كيف تمّ هذا الاتفاق وما هو مضمونه وهل الجبهويون راضون؟ أنا أعتقد أنّ خوض مرشّح الجبهة للمنافسة في الجولة الثانية والخسارة فيها أمام مَن نعرض أنفسنا بديلًا له، كان سيكون مشرّفًا أكثر، لأننا نمثّل جمهورًا وقضايا، ولسنا في سوق للتجارة والمقايضة، هل جمهور مصوّتينا من الجبهويين وأصدقائهم أرادوا هذه الحصيلة من المعركة.
   وكذلك يجب دراسة النتائج ولا أقصد العددية، وإنّما أقصد التعمق في الاستنتاجات ذات المعنى للدلالة على الخلل في مواطن التقدير، والبعد عن التخمينات الكمية والعمل على أسس ومبادئ نوعية لضمان النتائج الصائبة.
   لقد سقط بنظري المقياس العائلي كعامل للتقدّم الكمّي، وهو ساقط من قبل كمقياس سياسيّ، ففي سخنين وهي موقع جبهوي مهمّ، لا شكّ أنّ كمّ الأصوات  كان أحد المعايير في اختيار المرشّح، وقد تغاضت الجبهة هناك عن معايير أخرى قد تكون أهمّ، وجعلت البعض من رفاقنا الصميميين ينزوون ويبتعدون ليخلوا المكان والنشاط لجبهويين موسميين، يظهرون في المواسم الانتخابية وفقًا لأسماء المرشحين، وهو المعيار الضيق والسيئ الذي يحرّك الضمائر المترنِّحة والتي تحدد أماكنهم الانتخابية وعند أيّ مرشّح سينشطون. وسقط المعيار الطائفي والذي يقول بأنه في بلد مختلط، فيه المسلم لا يصوّت للمسيحي أو العكس، هذا غير صحيح ومهين لنا جميعًا.
هل تحوّل القادة الجبهويون في الهيئات والمناطق والفروع إلى مجموعة من المنظّرين المنعزلين عن الناس؟ وتحوّلت هذه النخبة إلى أصنام لا تُزهق ولا تتغيّر، وهي لا تبادر ولا تبرمج ولا تسعى من أجل الحقائق وتجنيدها والاستفادة منها، وهي أنشطة  جبهوية أصيلة لا بدّ منها، وللحزب والجبهة جريدة عظيمة وعريقة ولها دور هامّ، هل هي ملك خاصّ لأحد؟ بحيث يكون هذا الأحد رقيبًا على عقول الناس وأفكارهم، ويمنع النقاش البنّاء والحريص على الجبهة حتى لو وجّه نقدًا لها من باب الناصح الأمين، والمثال الماثل الآن هو المحامي جواد بولس، صديق الجبهة والجبهويين، وقد كان يكتب مقالًا أسبوعيًا في ملحق "الاتحاد" يوم الجمعة، وقد كنت أنا أقرأ هذه المقالات وأتمتّع بأسلوبها وأستفيد من مضامينها، وخاصة في موضوع الأسرى الفلسطينيين، وكذلك كنت ألمح هذا عند قرّاء للجريدة. كتب جواد مقالة بعنوان "ما هكذا تورد الإبل" ناقش فيها كيفية تعامل الأحزاب بما فيها الجبهة مع الانتخابات المحلية، وكيف يتمّ تغليب العائلية، وغير ذلك من الأفكار التي تنقد وتوجّه الجبهة بالذات لمثل هذه الأخطاء، وقد نتفق معه وقد لا نتفق، ولكننا لا نستطيع أن نحجر على رأيه ونتعامل معه بإهمال. أنا شيوعي وجبهوي ولي نقد على الكثير وقد أكون أشدّ في نقاشي، وقد كتب بعض الرفاق بعد الانتخابات نقدًا أكثر حدّة ممّا كتب جواد، ما المشكلة في النقد وفي سماع الرأي الآخر إذًا؟ الجريدة للنقاش والأفكار المتباينة، فالجريدة بلا نقاش تموت، وبالنقاش تحيا وتنمو ويشتدّ عودها. ففي عالم الانترنت والشبكات والفيسبوك لم يعد ما هو مغلق في مجال الاتصال والمعلومات. الجريدة للنقاش، وليكن شعارنا "لا لِمَن يهاجم الحزب والجبهة، ونعم لِمَن يناقشهما بنزاهة وموضوعية". لقد سرّني كثيرا أنه في ملحق "الاتحاد" يوم الجمعة 2013/11/29 رأيت مقالًا لجواد، وكان موضوعه الأسرى، وقلت عدنا إلى القاعدة وزُهق الاستثناء.     
لم يعد في هكذا وضع يكفي الشعار المطاط والجذّاب، ولم يعد العيش على الماضي يفيد، إنّ أجمل ما فينا هو ماضينا وتاريخنا، وقد صوّت لنا الناس كثيرًا وطويلًا لذاك الماضي الناصع والتاريخ المشرّف، لكنه لم يعد يكفي لجذبهم وإقناعهم، يجب إعداد كوادر جديدة وقادرة على التجدّد الدائم، تبني البرامج العملية القابلة للتنفيذ، والرفاق قادرون على تنفيذها، تنطلق من الواقع الموضوعي ونصب أعينها المستقبل بناسه وقضاياهم. قيادة تعود بالحزب والجبهة إلى الشارع، إلى أحضان الجماهير كي ترعاهما لأنّهما للجماهير، وليست لأحد آخر.                                                     
هنالك جمهور جبهوي يئِس أو يُئّس وهناك من ترك وابتعد وهناك من انقسم، كيف يمكن إعادة من لم يسعد بيأسه أو تركه أو انقسامه على الأقلّ.      
إنّ الفشل في الانتخابات وإن لم يكن قاصمًا، لكنّه جاء ناتجًا طبيعيًّا لتراكم الأخطاء، والتي لم تحلّ على مدار عقود، لأنّ جلّ بل كلّ همّنا الحصول على منصب رئاسة السلطة المحلية أو منصب نائب الكنيست كغايتيْن وليس كوسيلتيْن أو أداتيْن للنضال. ولذلك أدعو إلى إجراء عملية التناوب في موعدها، وأدعو إلى مؤتمر جبهوي استثنائي انتخابي، وليس تقييمي فقط، لانتخاب هيئات جديدة وقادرة على إخراج الجبهة من هذه الأجواء، كما أدعو إلى علاقات متينة بين القيادة والقواعد، من خلال إيجاد مناطق جبهوية تسهّل الاتّصال بينهما، وأدعو إلى تعديل في الدستور ينصّ على تحديد فترة إشغال أيّ منصب جبهوي بفترتين لا تزيد بيوم واحد حتى لو لم تكتمل الفترة، إذ لا يعقل أنّ الجبهة لم تستطع ولمدى طويل إعداد بدائل قادرة لرامز جرايسي أو لمحمّد نفّاع أو لمحمّد بركة. وماذا سيحدث غدًا عندما يتولّى أيمن عودة منصب نائب في الكنيست؟ هل سيكون له بديل قادر على إشغال منصب سكرتير الجبهة؟
هناك مقولات ومعطيات سيئة، مثلًا: "الخط سليم ولكنّ التنظيم لا يعمل" هذه مقولة لا تبرّر شيئًا. وهناك معطى يقول: انّه في المواقع التي نحصل فيها على انجازات محلية، نتراجع ونخسر قطريًّا" هذا صحيح وبقدر صحّته إيلامه.
هنالك مَن يتحدّث عن إشكالية بين الحزب والجبهة، قد تكون هذه في التنظيم والتنسيق في العمل، ولكن غير صحيح أن هناك إشكالية في الفكر أو الممارسة أو حتى النشاط، خاصّة أنّ الجمهور فيهما متماثل، وقد يكون متطابقًا، ولكن المؤسف حقًا أنّ الخلافات الأعلى والأكثر فتكًا هي الخلافات بين شيوعيين وشيوعيين، أو بين جبهويين وجبهويين. للشيوعي تميزه ولكنه ليس أحسن من أحد، وإن فاق فبعمله وتفانيه وعطائه بلا حدود أو شروط، وهو ما ليس ملموسًا اليوم. الإشكالية الأهمّ هي الموجودة بين الحزب والجبهة من جهة وبين الجمهور من جهة أخرى، هنا يجب تكثيف العمل وتحسينه وتطويره. إن حلّ هذه الإشكالية كفيل بحلّ ما دونها، ولكلّ تفصيل أهميته.
وإذا افتقدنا في المعركة الانتخابية القدرة على تسييسها، وافتقدنا الصلة مع الناس ولم نطرح قضاياهم العامّة سياسية واجتماعية وحضارية، وافتقدنا التنظيم السليم الذي يقوّي انتماءنا والتزامنا، فما هي إذًا مبررات وجودنا؟
ومع ذلك لا أحد يستطيع أن يفرح لضعف الجبهة وخسارتها إلاّ الأغبياء، حتى خصومنا السياسيون يجب ألا يفرحوا لذلك، إذا كانوا يفقهون أصول العمل السياسي، فضعف الجبهة سيضعفهم يومًا ما، إلاّ إذا كان ما يشغلهم هو الكسب السياسي الآني، وكذلك إذا كان همّهم الأول والأساس ليس الكسب بل خسارة الخصم، وهذا ما حدث في الناصرة في سلوك التجمّع والحركة الإسلامية.
وهنا لا بد من الإشارة إلى قرار الكنيست برفع نسبة الحسم لاجتياز الكتلة إلى 4 بالمئة، وهو قرار عنصريّ خطير، وموجّه للكتل الصغرى بما فيها الكتل العربية والجبهة، حتى يستأثر الكبار بالقرارات السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، ممّا يسهّل عليهم الاستمرار بسياسة الاحتلال والتمييز والمصادرة واقتلاع البدو في النقب وهدم البيوت والتضييق على العرب والحريّات. كيف يجب علينا أن نردّ؟ أولًا العرب في هذه البلاد هم أصحاب الأرض الأصليون وهم مواطنون عليها، ويبلغ تعدادهم اليوم ما يزيد عن المليون ونصف المليون، وهم ليسوا قطيعًا متجانسًا، لا في الانتماء الطائفي ولا الحزبي ولا السياسي ولا الاجتماعي، ولا يجمعهم إلا الانتماء القومي والظلم اللاحق بهم من سياسات الحكومات العنصرية، وثانيًا كلّ المحاولات والمبادرات لتوحيدهم في السابق ومن داخلهم وبمحض إرادتهم باءت بالفشل، فما هي مصداقية وحدتنا بقرار من الظالم العنصري؟
وسيقول قائل إذا لم نتوحّد في قائمة واحدة سنفشل في إيصال ولو عضو واحد من القوائم العربية والجبهة، قد يكون هذا مبررًا، ولكنّه مبرر الضعيف، ولذلك نحن نملك أن نتخذ قرارًا قويًّا قادرًا على ردع السلطة وقرارها، هو أن لا نفشل بل ننجح في إيصال صوتٍ واحد ومدوٍّ يكون في مقاطعة الكنيست القادمة، ولتكن يهودية خالصة ملطّخة بعار حرمان 20 بالمئة من المواطنين من حقّ الاقتراع بقرار عنصري جائر، ولتكن الكنيست يهودية كما يريدون لدولتهم أن تكون، ولكننا عرب وفلسطينيون، وهذه البلاد بلادنا رغم ما يأفكون وقافلتنا تسير، ولنا أن نحتجّ. ولذا أقترح أن تبادر الجبهة لهذا الاقتراح وتدعو الآخرين أحزابًا وحركات ومؤسّسات والمواطنين العرب والقوى الديمقراطية اليهودية لجعله قرارًا والالتزام به، ولو لمرة واحدة.
وأخيرًا إنّ الجبهة والحزب قادران بحكم التجربة والخبرة واستعادة التنظيم والقرب أكثر  من الناس والإصغاء لهم ولقضاياهم وهمومهم، والأعضاء في كليهما قادرون على ذلك، ومعًا وبمزيد من الانتماء والالتزام بترتيب البيت والنشاط والتجدّد يمكننا تجاوز هذه الأزمة الرمادية القاتمة والمُضيَّ في طريق أحمر جميل للوصول إلى برّ أمان ورديّ في المستقبل. 



(الكاتب عضو سكرتاريا الجبهة القطرية)

قد يهمّكم أيضا..
featured

رفضًا للمس بقيم الطبيعة وثرواتها

featured

هذا هو «النصر الإلهي» حقّاً: وقفة في مديح العراق

featured

هل يتعظ ضحايا النازية الفاشية من المجرمين بحق الشعوب في بلادنا؟!

featured

مانديلا، رحيل البطل الخالد

featured

دروب الآلام والعذاب والحروب ليست منزلة!

featured

من فمك أدينك!

featured

للنسيم العابق لغته

featured

وزيران ظلاميان جاهلان بالثقافة