في رحلة امتدت ما يقارب الشهرين لم أنسَ وطني بل حملته في ذهني ووجداني لأقارنه بأوطان الآخرين..
حطّت بي الطائرة في تايلاند وتحديدًا في عاصمتها بانكوك.. نزلت في فندق جميل اسمه (الأميرة الصينية) حيث تضوعت افاويهُ الشرق وعبق حكمة حكماء الصين. بانكوك مدينة جميلة مترامية الأطراف يقطنها فقراء المدينة وميسورو الحال المحليون إضافة إلى المستثمرين الأجانب – أصحاب الأسهم في ملكية المرافق والمجمّعات التجارية.
تمتّعت كثيرًا بما شاهدته من قصور ومعابد بوذية بديعة البناء وزاهية الألوان.. أما متعتي الكبرى فكانت أثناء راحتي الليلية في فندقي حيث تكرّر جلوسي في مطعمه العلوي المتحرك دائريًا وكأنه تاج الأميرة التي اخذ منها اسمه. حيثما نظرت رأيت صورًا لحكماء الصين محاطة بعبارات تحمل جمال وجلال المعاني كهذه القاعدة الصينية: "في السجون من لا يعمل لا يأكل.. إما العمل وإمّا الموت". في مشاهدتي هذا الكلام على أكثر من جدار أحسست وكأنه درس موجّه للطلقاء زائري المطعم.. الموت في السجن لا يعني الموت شنقًا أو عذابًا من وطأة الأعمال الشاقة، بل الموت سغَبًا.. بهذه الرؤية يقدمون علاجًا للأسير، لأي أسير.. بهذا يؤكدون للخاملين والكسالى الطلقاء وغير الطلقاء ان حياتهم أينما وُجدوا تكون في خطر.. كم سُررتُ لصحة تحليلي هذا خاصة بعد سماعي حديث مديرة المطعم تايلاندية الأب وانجليزية الأم وهي تؤكد صحّة ما اوحته لي كلمات حكماء الصين. هذا الكلام أعادني إلى بلادي لأتذكر أسرانا الفلسطينيين القابعين في السجون الإسرائيلية. عدتُ استعرض شريط قصص الرعب والإذلال وامتهان الكرامات التي يعيشها هؤلاء المعتقلون من كل الأعمار.. لم اسمع نصحًا وإرشادًا لهم بأن يعملوا ويكدحوا كي يُبعدوا عنهم أشباح الموت جوعًا! في بلادنا يصوم الأسرى احتجاجًا على احتجازهم وهم أبرياء.. في بلادنا يمارسون إضرابًا وامتناعًا عن الطعام مؤثرين الموت بمَعِداتٍ خاوية على حياة الإذلال والتذليل!!
وتركتُ (الأميرة الصينية) تُعلّم نزلاءها دورسًا في البذل والاجتهاد لازور كبير المعابد البوذية في العاصمة التايلاندية حيث كان المشهد الجليل: مشهد أربعة مؤمنين يحمل كلّ واحد منهم كتاب صلاته.. كم اغتبطتُ لرؤيتي القرآن والإنجيل والتوراة وكتاب الإيمان البوذي في أيدي هؤلاء الأربعة! ما أرقاه من منظر يؤكد (أن المعبد للجميع) و(أن الدين للخالق والأوطان للجميع)!! في موقف الرهبة هذا أعادتني ذاكرتي إلى الطوائف المتناهشة في بلادي آملا ومتضرعًا أن تجتمع المساجد والكنائس والكُنس على قلب رجل واحد!
وانتهت زيارتي ورحلتي في أرجاء تايلاند وحملتني الطائرة إلى مدينة سدني حيث كان في استقبالي أخوال أولادي.. استقبلوني في بيوتهم ولم يأذنوا لي بالنزول في فنادقها.. كانت بيوتهم الرحبة بيوتًا دافئة لي ولزوجتي.
في استراليا وفي سدني تحديدًا وجدتُ جنة الله على الأرض.. جمال استرالي يقارب الكمال. مشاهد عمرانية حضارية لم أرَ مثلها الا في اللوحات والكتب السياحية.. هناك حيثما توجّهت كنت اقرأ هذا الكلام: "ثقافات شتى في جالية واحدة" "Too many cultures in one community".
وأعادتني أفكاري ثانيةً إلى وطني المسمّى وطن السمن والعسل ووطن الأنبياء والرسل واستعرضت حيوات طوائفنا ومذاهبنا وأدياننا وأحزابنا وقومياتنا المتناهشة المتنافرة وتساءلت: أيأتي يوم فيه نعيش حضارة يعتمرها أهل الصين وأهل استراليا التي كانت يومًا بلد المنافي لأشرار البشر؟!
