(إلى جدعون ليفي)
نسعى، منذ عقود، كي نعيش حياة طبيعية. لا أكثر من ذلك. هدفنا أن نكون بشرا عاديّين، نعيش مثلما يعيش البشر في بلاد فيها خبز ومطر وشمس دافئة وقوس قزح، ونشرب قهوة الصّباح بلذّة ومتعة، ونرتشف الشاي مع النّعنع أو الليمون في المساء بهدوء وأمان. نحن نحبّ الحياة مثلما نحبّ النّبع والورد والعصافير ونملك شهوة الى السّلام والى الحرّيّة ولا نريد أن نكون أبطالا أو شهداء بل نرغب بأن نكون بشرا عاديّين نستمع الى النشرة الجوّيّة صباح كلّ يوم.
نحن لا نناضل من أجل متر في الجنّة بل من أجل حقّنا بالوجود في هذه الحياة وكي يعتذر الأخر لنا عمّا لحق بنا من ظلم. هل هذا كثير؟ حقّنا الطّبيعيّ أن نحمي ذاكرتنا الّتي يحاول الآخر أن يشوّشها أو يمحوها. كم كان أجدادنا متسامحين ومنفتحين عندما أبقوا للمكان اسمه وما محوا حروف أمّة عاشت هنا أو مرّت من هنا. المكان في بلادنا ما زال في مكانه حتّى لو بدّلوا اسمه.
قدرنا، ونحن راضون به، أن نحيا مفارقة كبيرة في وطننا، بأن نقدّم العون الأخلاقيّ للضّمير الذي استفاق في الشّعب الآخر الذي يجلدنا حكّامه بسياطهم بلا رحمة. قدرنا أن تؤنسن الضّحيّة جلّادها ونحن نحاول ذلك ما استطعنا، وحبّذا لو يفهم "قبضاي الحارة" بأنّ التّاريخ قرّر منذ أمد بعيد بأنّه لا نصر نهائيّ ولا هزيمة نهائيّة والزّمن دوّار ولا شيء يبقى على حاله.
هذا ما راودني حينما شاركت وزوجتي وكنّتي وحفيدي الصّغير قبل أيّام في مسيرة ومهرجان يوم الأرض في دير حنّا مؤدّيًا واجبي الوطنيّ والأخلاقيّ وشاهدت شابّات وشبّانًا من أبناء شعبي رأوا النّور بعد يوم الأرض الأوّل يحملون الأعلام الفلسطينيّة والشّعارات ويهتفون هتافات وطنيّة كما شاهدت أعضاء كنيست ورؤساء سلطات بلديّة ومحليّة كانوا أطفالًا في يوم الأرض الأوّل يسيرون في طليعة المسيرة. هذا جيل منتصب القامة متعلّم وواعٍ يعتزّ بلغة أمّه ويحنّ إلى خبزها وقهوتها ويجلّ تاريخ آبائه ويحترم الإضراب والمظاهرة والمسيرة ويبحث عن أسلوب جديد عصريّ يجنّد ويحرّك الجميع ويسري صداه من دير حنّا إلى بئر السّبع، ومن عرّابة إلى نتانيا، ومن سخنين إلى تل أبيب. هذا جيل يملك شهوة قويّة إلى الحريّة وإلى السّلام ويرحّب بالصّحفيّ الشّجاع جدعون ليفي السّنونوة القادمة من تل أبيب. يا جدعون حاولنا وحاولنا أن نغيّر الدّنيا ويحزنني كما يحزنك أنّنا لم نستطع ذلك، ولكنّ ابني وابنك، وحفيدي وحفيدك سيّغيّرونها، وعندئذ سيملأ أمثالك ساحة رابين في تل أبيب، فلا شيء يبقى على حاله. والمستقبل لخميرتك وخميرتنا نحن عشّاق الحريّة والسّلام وليس لخميرة ميري ريغف. والمكان في بلادنا مازال في مكانه.
