لم تكن إسرائيل ومشروعها الاستعماري التوسعي، دولة ديمقراطية لكافة مواطنيها، حتى تتغير لدولة يهودية، فقد كانت دولة يهودية أحادية مغلقة، ومفتوحة لكافة الطوائف اليهودية المنتشرة في العالم على مختلف جنسياتهم وقومياتهم، كانت ولا تزال، ولن يغيرها القانون الذي سنته حكومة نتنياهو الاستيطانية التوسعية العنصرية المتطرفة بل سيكرسها، ويزيدها عنصرية وانغلاقًا على حساب طرفين أولهما المكون العربي الفلسطيني الذي ما زال مقيمًا ومتشبثًا بوطنه وأرضه في مناطق الاحتلال الأولى عام 1948، أبناء الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل الفلسطيني المختلطة، وعلى حساب المكون الثاني أبناء اللاجئين في الشتات ومخيمات اللجوء، خارج فلسطين، الذين ينتظرون عودتهم إلى المدن والقرى التي طردوا منها واستعادة حقوقهم فيها وعليها ومنها تنفيذًا للقرار الأممي 194، وليس وفق النص التضليلي الذي يجري تسويقه، والقائل حل قضية اللاجئين وفق القرار 194، وفي طليعة حقوقهم استعادة ممتلكاتهم المنهوبة من دولة المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلية، حيث يمنعهم القانون من حق العودة ومن حقهم في استعادة ممتلكاتهم، بينما يسمح القانون لأي يهودي في العالم للقدوم إلى فلسطين والحصول على الجنسية الإسرائيلية كمواطن، بينما المواطن الفلسطيني المقيم في وطنه وعلى أرضه، محروم من حقوق المواطنة المتساوية بفعل التمييز، ومحروم من السماح لباقي عائلته المهجَّرة من عودتها إلى بيتها في مناطق 48.
إسرائيل، دولة انتخابات نعم، ولكن سلطتها ونفوذها أُحادية مكرسة لمصلحة اليهود فقط، مثلها مثل كل الدول الشمولية ذات طابع ضيق غير تعددي وغير ديمقراطي لكل مواطنيها، وإن لم يكن ذلك وفق نص القانون، فهي في الواقع، في التراث وفي القيم، وفي النتيجة، وفي السياسات، وفي الممارسة العملية، وها هي تصيغ قانونًا يرفع من نسبة الحسم في الانتخابات لإرباك المجمع العربي الفلسطيني ومحاولة التخلص منه عبر القانون، إضافة إلى تكريس مضمونها كدولة لليهود.
لندقق ما قاله نتنياهو شخصيًّا في كتابه "مكان تحت الشمس" ص (70):
"في عام 1894، بلور هرتسل خطة محددة، عبر سلسلة إجراءات عملية لإقامة دولة قومية يهودية حديثة في أرض إسرائيل، تكون شاطئ أمان، وبيتًا لملايين اليهود المقيمين في أوروبا، ولذلك سعى إلى الحصول على تأييد الدول العظمى ودعمها للاستيطان اليهودي في أرض إسرائيل".
ويقول في صفحة 71: "كان التأييد للفكرة الصهيونية، مند البداية من غير اليهود، أكبر بكثير منه في الأوساط اليهودية، فقد تمكن هرتسل، على سبيل المثال، من مقابلة قيصر ألمانيا فيلهلم الثاني، الأمر الذي لم يكن سهلًا تحقيقه بالنسبة لصحافي يهودي آنذاك، ولم يكن سرّ تأثير هرتسل، يكمن في شخصيته وميزاته الخاصة فحسب، إنما في حقيقة كونه أول يهودي يكتشف فن السياسة، واستغلال المصالح المشتركة على الصعيد السياسي، وقد وصف هرتسل الحركة الصهيونية للقيصر الألماني، على أنها مشروع من شأنه اجتذاب قسم من المتطرفين الشباب في ألمانيا، وسيفتح أمام القيصر الطريق إلى الهند، ولذلك طلب هرتسل الرعاية الألمانية للحركة الصهيونية، على افتراض أن ألمانيا ستجني ربحًا سياسيًا، غير أن القيصر كان معنيًا بتخليص مملكته من بعض المرابين اليهود"، هذا ما يقوله نتنياهو، كاشفًا خلفية الصهيونية ومشروعها، وتابع قوله:
"كما نجح هرتسل في مقابلة السلطان التركي في القسطنطينية في أيار من عام 1901، وفي حديث مع السلطان، ذكر هرتسل ما حدث لاندروكلوس، الذي أقتلع الشوكة من كف الأسد، وقال للحاكم التركي، المفلس: "جلالتك، هو الأسد، وربما أكون أنا الأندروكلوس وربما توجد شوكة يجب إخراجها، والشوكة حسبما أراه أنا، هي الديّن الوطني على جلالتكم" وعليه اقترح هرتسل اقتلاع هذه الشوكة بوساطة أرباب المال اليهود.
إن الاهتمام الذي أبداه زعماء العالم بالمشروع الجديد وهو لازال في مهده، يدلل على تداخل المصالح بين تطلعات الصهيونية والأطماع الاستعمارية التوسعية للدول الأوروبية، ففي تشرين الأول وتشرين الثاني 1898، أي بعد سنة واحدة فقط من أول ظهور للحركة الصهيونية في المؤتمر الصهيوني الأول، التقى هرتسل مرتين بالقيصر الألماني.
نتنياهو يتباهى بتداخل المصالح بين الأوروبيين والحركة الصهيونية، مما يدلل في وقت مبكر عن وسائل الترغيب، وتداخل المصالح الاستعمارية وتعزيزها، وهذا يُفسر دوافع الانحيازات الأوروبية للمشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي الصهيوني، والعمل على تنفيذه، ومن هنا تبرز أهمية الإجراءات الرمزية والسياسية والمبدئية التي تتم صياغتها من قبل البرلمانات الأوروبية والتي تشكل صفعات متلاحقة من قبل الأوروبيين الذين صنعوا المشروع الصهيوني على أرض فلسطين ودعموه، وها هم بشكل بطيء وتدريجي يتراجعون خطوات عن دعم المشروع الاستعماري الصهيوني، ويتقدمون خطوات نحو المشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني، ويدعمونه بقراراتهم وإن كانت ما زالت متحفظة.
