أبا الادهم، مآثرك كثيرة

single

مأثرة ثالثة هي يوم الارض الخالد

 

الضيوف الكرام اهل بلدي الحبيب، الموت حق على رقاب العباد فسبحان قاهر عباده بالموت، كلنا سنموت كلنا الى زوال وفناء كلنا سنطوى ونغيب في صفحات التاريخ، لكن بعضنا سيبقى خالدًا، أبديًا، لا يفنى ولا يزول. لأنهم هم الذين صنعوا التاريخ، هم الذين صاغوه وكوّنوه، فلن يكونوا على هامشه وانما جزءً منه وهم في صلبه.
راحلنا أبو الادهم جمال طربيه رجل كل العصور، رجل كل الاجيال فهو شاب بين الشباب وكهل بين الكهول وشيخ بين الشيوخ.
كان حظ هذا الشاب ـ وسيبقى شابًا في نظري ـ كان قدره أن تكون بداية نهضة هذا البلد على يده وفي عصره، فعندما أضنى نساءنا مشقة العمل على نقل المياه من اماكن بعيدة، جلب ابو الادهم هو وزملاؤه، الماء الى سخنين، وعندما اضنانا الظلام وأرهقتنا رائحة الكاز من قناديلنا المعتمة، وعمشت عيوننا اثناء الدراسة فقد جلب الينا الكهرباء التي قفزت بنا الى سنوات ضوئية ونقلتنا من الظلام الدامس الى النور الساطع.
يكفيه هاتان المأثرتان ليكون من صناع التاريخ الحضاري لهذا البلد.
لكن ابا الادهم لم يكتفِ بذلك واجترح لنا مأثرة ثالثة وهي يوم الارض الخالد، إذ كان كوكبًا من الاحد عشر كوكبًا الذين اقروا يوم الارض بأقلية عددية لكنها كانت الصوت الحقيقي وليس المزيف للشعب.
فالشعب اراد وقرر الاضراب وفشلت كل محاولات السلطة لمنع الاضراب، فبرغم ما تعرضتَ له من اغراء وتهديد ووعيد بقيت يا ابا الادهم شامخًا صلبًا كسنديانات ارض الملّ ـ ملّنا الذي دافعت عن بقائه، لم تهن ولم تضعف، سرت في أول الركب بصدر مفتوح وقامة منتصبة وبقيت كالطود الشامخ لا تهزه عاطفة.
وأصبحت سخنين علمًا بارزًا، وسميت درة تاج يوم الارض ونقلت وكالات الانباء اسمها كعاصمة دولة عظمى في اول نشرات الاخبار.
وألفت المسلسلات حول سخنين باشتراك أعلام التمثيل العرب عمت معظمها العالم العربي. نعم اوصلت بلدك سخنين الغالية والعزيزة عليك لمراتب عليا وقمم شاهقة من العزة والكرامة والتضحية.
أشغلت رئاسة السلطة المحلية لثلاث فترات متتالية اثنتي عشرة سنة، كنت شابًا منفتحا على التطور والعصر وعملت لمواكبة الحضارة والعصرنة ببنى تحتية مناسبة ومؤسسات تعليمية.
اما المأثرة الرابعة فكانت انشاء المدرسة الثانوية وبناء صرحها الشامخ المهيب وما تسميتها اليوم على اسمك إلا بعض الوفاء والتقدير لعملك وجهودك. لأن المدرسة الثانوية كانت علامة فارقة وبداية فترة نهوض علمية لكل سخنين، خاصة البنات ونفتخر اليوم بأن تعداد الطالبات في احتفالات التخريج في كل عام يفوق عدد البنين الطلاب.
بقيت شابا يافعا انيقا ووسيما حتى عندما تقدم بك العمر، كالزمرد تزداد بريقا وتألقًا مع الايام، لم تفارقك هذه الروح الوثابة التي عهدناها فيك.
كنت من مؤسسي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وبقيت حتى آخر يوم في حياتك من دعائمها الاساسية، كنت سباقًا بآرائك ونظرتك، وأكثر من مرة تعترف الجبهة بصحة رأيك بعد حين.
أبا الادهم مآثرك كثيرة ولن اوفيك حقك في هذه العجالة، لكن شرفني شخصيا أنني تسلمت الراية منك، سلمتها لي بشرف وشهامة إذ نَدَرَ ما تنازل رئيس عن السلطة من طيب خاطر ورضا، لأنك آمنت بجيل الشباب وآمنت بمنحهم الفرصة لتحمّل المسؤولية.
كنت علمًا شامخًا في حياتك، وكذلك انت بعد مماتك
ستذكرك المدرسة الثانوية بطلباتها وطلابها، سيذكرك "المل" وزيتونه وزارعوه وقاطفو ثمره المبارك، ستذكرك لجان الاصلاح ومجالس الادب، وستبقى سيرتك خالدة عطرة وأزلية وسيبقى تراثك نبراسًا يُهدي للصواب.
نم أخي قرير العين فهذه البلدة بخير وهذه الجبهة بخير وهذه الارض بخير واطمئن أن لك خلفًا صالحًا سيحفظ العهد ويصون الامانة.
جمرة الفراق لا زالت حارة، ولوعة الوداع لا زالت حراقة.
لكننا مؤمنون ونقبل قضاء الله وقدره.
فراقك كان مفاجئًا وسريعًا وأليمًا
فأنت الفارس الذي غاب دون أن يترجل
غيابك صعب جدًا اسمح لنا أن نبكيك فعلى مثلك تبكي الرجال، رحمك الله اخي ابو الادهم والى جنة الخلد.

 

(كلمة رئيس مجلس سخنين السابق في حفل تأبين الراحل جمال طربيه في المركز الثقافي البلدي بسخنين تحت رعاية بلدية سخنين والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وآل الفقيد في 1/9/2012)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لمواجهة الملاحقة السياسية لـ "الميدان"

featured

الآن بدأت تتكشف لهم الأمور؟!

featured

رسالة الجراح الفلسطينية

featured

جرائم العنف

featured

إرهابٌ في بيروت

featured

أيّام ميسيساغا

featured

سنة دراسية مباركة

featured

بضائع الاستيطان غير الشرعية