قضيتُ وصديقي رامز جرايسي أسبوعًا جميلًا (26 آذار – 2 نيسان) في مدينة ميسيساغا في كندا بضيافة البيت الفلسطينيّ ورئيسه الرّجل البصّاويّ فضلو ميخائيل للمشاركة في أمسيّة وطنيّة ثقافيّة إحياء للذّكرى التّاسعة والثّلاثين ليوم الأرض الخالد والتقينا بمجموعة طيّبة من أبناء شعبنا الذين اختاروا كندا وطنًا ثانيًا، قسرًا أو اختيارًا قسريًّا، منهم النّاجحون (في العلالي) ومنهم الذين على قدر حالهم، ومنهم الذين يحلمون في نومهم ويقظتهم بالعودة وما زالت رائحة باب العامود وحارة الياسمين ووادي النّسناس وسوق النّاصرة تداعب أنوفهم. يردّد الشّفاعمريّ ناجي فرح في كلّ ربع ساعة تقريبًا من لقائنا: "اسمع خيّا أبو علي! والله يا رامز كأنّني جئت اليوم إلى كندا" على الرّغم من أنّ الزّمان طوى سبعة وثلاثين عامًا من البرد الكنديّ القارس منذ وطئت قدماه ثلج تورنتو فالرّجل ما زال يعيش في حارة السّوق وفي ظهر الكنيس وعلى ذكرى الليلة الأخيرة بين الأصدقاء والأقارب في مدينته.
ميسيساغا مدينة هادئة وجميلة ونظيفة عدد سكّانها سبعمائة ألف نسمة وفيها جالية عربيّة فلسطينيّة وسوريّة ومصريّة وعراقيّة ولبنانيّة وأردنيّة منهم رجال (وسيّدات) الأعمال الكبار والأطبّاء المشهورون ورجال القانون البارزون ورجال المجتمع المعروفون ويصدرون عدّة صحف باللغة العربيّة منها الشّهريّة ومنها النّصف شهريّة مثل: جريدة ساخر سبيل، جريدة عربيّة كنديّة ساخرة تصدر شهريًّا وتوزّع ببلاش ورئيس ديوان الكلامنجيّة محمّد هارون، وجريدة مشوار نصف شهريّة ثقافيّة شاملة وتوزّع مجّانًا، رئيس التّحرير د. نزيه خطاطبا.
زرنا مدنًا عديدة مثل تورنتو وقد قال لي ضاحكًا الرّجل الطّيب أبو إيهاب ونحن في سيّارة منذر: هذا الحيّ نسمّيه ساحة العين لأنّ معظم السّكّان في هذه الدّور من مدينة البشارة. كما زرنا شلالات نياغارا وهي معجزة من معجزات الخالق حيث يقف المرء مذهولًا وهو يحدّق بالمياه المتدفقة بقوّة وبجمالها الرّائع ويغبط الكنديّين على هذه النّعمة التي حباهم بها الخالق.
دخلنا بخشوع إلى المعبد الهنديّ بجوار تورنتو وهو آية فنيّة في عمرانه وحجارته المذهّبة وقضينا ساعة ونصف السّاعة تقريبًا مع الهنود وهم يصلّون وينشدون ويقرعون الصّنوج ممّا ينقل المرء إلى عالم روحانيّ.
اصطحبَنا الأخوان عبد الله الكرنز والدّكتور فريد عيّاد إلى قرية الهنود الحمر التي أقامتها جمعيّات تقدميّة تخليدًا لحضارة وحياة السّكّان الأصليّين الذين عمل المستوطنون على إبادتهم. حاولتُ جاهدًا ألا أربط ما شاهدته بما جرى لأبناء شعبنا في الدّوايمة والطّنطورة والحدثة وميعار إلا أنّ صور أطلال القرى المهجّرة وأشجار الزّيتون القتيلة لاحت من وراء جلود الثّعالب والدّببة وأكباش التّبغ وعيدان الذّرة في بيت الهنديّ الأحمر.
تمتطي الطّائرة الضّخمة، يا أبا عليّ، وتنقلك من بلادكَ إلى بلاد البرد القارس والبحيرات والأنهار فيتحوّل ليلكَ إلى نهار ونهاركَ إلى ليل، وتنتقل من منطقة الشّرق الأوسط حيث يحطّم الدّاعشيون حضارة شعوب خلت إلى بلد يبني برجين للجميلة مارلين مونرو، وتلتقي بشعبٍ تبدأ نشرة أخبار الصّباح في تلفازه بأحوال الطّقس فلا حروب ولا قتل ولا اجتياح ولا قصف ولا هدم بيوت ولكنّ الدّبّيكة والسّحيجة في بيت سارة وبنيامين تطلّ عليك من بعيد وتقول لك:
أمّا تفرّجْ يا سلامْ
عَ العجايبْ بالتّمامْ
شوف سحّيجة بيبي
واضحكْ يا حبيبي
وشر البلايا ما يُضحك!
