أقامت المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة الدنيا ولم تقعدها، حتى اضطرت الأسبوع الماضي للكشف عن قسط يسير من القضية التي باتت تعرَف بقضية عنات كام، المجنّدة السابقة التي مكّنت "هآرتس" من إجراء تحقيق صحفي يثبت تورّط جيش الاحتلال في اغتيالات ناشطين فلسطينيين، أي في جرائم حرب، ضاربًا عرض الحائط ليس بالقانون الدولي فحسب بل بالقانون الإسرائيلي وبقرارات حكم المحكمة العليا الاسرائيلية ذات الصلة.
وعلى النسق الأمريكي - واستنادًا إلى النظرية الإعلامية القائلة بأنك لا تستطيع أن تحدّد للناس كيف يفكّرون، ولكنك تستطيع أن تحدّد لهم بم يفكّرون – فقد تحوّل الموضوع، وسط ضوضاء العناوين، من قضية اقتراف جرائم حرب بشعة إلى قضية تسريب وثائق سرية، لا بل إلى قضية تجسّس بالغة الخطورة.
وعادةً ما يكون "التجسّس" لصالح جهة أجنبية خارجية، ولكن كل ما فعلته المجنّدة كام كان فضح عدم التزام عسكر وحكّام حتى بقرارات محكمة دولتهم العليا، ولصحيفة إسرائيلية وليست أجنبية. أي أنّ "التهمة" الحقيقية التي يجب أن توجَّه لها هي كشف المجتمع الإسرائيلي على جرائم حكومته وجيشه!
ولكنّ المجتمع الإسرائيلي الذي لا يسائل حكامه عادة، بغالبية الساحقة، إما يؤيد هذه الجرائم، وإما يبرّرها، وإما لا يريد أن يعرف عنها لئلا يكلف ضميره عناء السؤال والتساؤل. ومع ذلك فمن الأهمية بمكان مواصلة تحميل هذه المجتمع مسؤوليته الأخلاقية والسياسية ووضعه أمام مرآة الاحتلال البشعة، ولو من باب دحض أكاذيب من نوع كون إسرائيل "واحة للديمقراطية" وكون جيشها "الأكثر أخلاقية في العالم"، وإحداث تصدّع، مهما بدا بسيطًا، في جدار الإجماع القومي الصهيوني.
بالأمس نزلت المحكمة العليا عند طلب النيابة فأمرت بتشديد ظروف اعتقال كام المنزلي، وهذا يثبت مرة أخرى أنّ المحكمة العليا، في القضايا الجوهرية، هي جزء عضوي من المؤسسة وسياساتها، وإن أخذت على عاتقها مهمة "التجميل" من حين إلى آخر.
وتؤكد هذه القضية، مجددًا، أن المناخ الفاشي في إسرائيل لا ولن يكتفي بالعرب، فها هو يصل حتى إلى مجنّدة محسوبة على اليسار الصهيوني، لمجرّد تجرؤها على لفت أنظار مجتمعها إلى الجرائم التي ترتكب باسم "أمنه" المزعوم. من هنا فعنات كام تستحق الحرية والتحية على ما قامت به.
