لتحرير انساننا ولبناء دولتنا الحرة والديمقراطية والتقدمية والصالحة للسكن الإنساني – ميدان التحرير
*آن الأوان لهذه الامة كي ترد على الطغاة العتاة المتجبرين الغلاظ وان "تديهم بالجزمة"، هم واسيادهم عبر البحار، على طريقة المناضل العراقي منتظر الزيدي..*
أيها الإخوة والأخوات على امتداد الوطن العربي الكبير
بأيدٍ مرتعشةٍ بالغضب، على القلوب المفعمةِ بالقلق، وبعيونٍ تتفجّر بالجمر من حريق الشهيد محمد البوعزيزي، تتبّعنا احداث الثورة الشعبية في تونس وتطوراتها وإسقاطاتها القطرية والعامة. ومع رحيل الطاغية المستبدّ الدكتاتور بن علي، تنفّسنا الصعداء دون سقوط في الوهم بأن كل شيء أصبح على ما يرام وأن الأمور ستسير من سلم طائرة بن علي إلى أرجاء تونس والوطن العربي، سيرا سليما معافًى ومضمونا.
وتصعّدت امواج الغضب الاجتماعي والقومي والانساني في الجزائر واليمن وحدث اعتصام ضد البطالة في السعودية، وتفجّرت اغوار الغضب الحق في مصر آيلةً إلى ما آلت اليه الآن.
إن جِمال الصبر العربي وخيول الكفاح العربي ليست من فصيلة الجمال والخيول الهمجية التي اطلقها لصوص مصر وثعالبها لترويع نواطير مصر المستيقظين على تاريخهم ومصالحهم ومستقبلهم.. لذلك فقد تصدّى "النواطير" الشبان والشابات والكبار والصغار لاعتداءات البلطجية وسواطيرهم وكرابيجهم وسكاكينهم، بعزيمة الأبطال وإصرارهم، وبروح الفكاهة والدعابة والنكتة المصرية الشهيرة التي زادتنا اليوم حبا على حب:"إرحل بقى يا عمّ- خلّي عندك دم".. "إرحل بقى.. إيدي وجعتني".. "إرحل.. عايز احلق".. "ارحل بقى.. عايز استحمّى".. الى جانب النشيد الوطني الجميل "بلادي.. بلادي" بلادي- لك حبّي وفؤادي".
كان الموظف الحكومي (برتبة وزير داخلية)، المدعو حبيب العادلي قد غير شعار شرطة مصر من "الشرطة في خدمة الشعب" إلى شعار:"الشرطة والشعب في خدمة الدولة".. اي في خدمة النظام، اي "الريِّس" وزوجته وأبنائه وافراد حاشيته. وهكذا تحول "رجل الأمن" الى "بلطجي"، ومن هنا كانت عمليات دهس المتظاهرين بالسيارات الرسمية وتوظيف القناصة لقتل المواطنين الآمنين وتشغيل الآليات في خدمة اللصوص والقتلة الذين اطلق سراحهم بهدف ترويع الشعب وتخويفه ولجمه.. وما زالت في الذاكرة حكاية ابن الرئيس الدكتاتور الراحل في قطر عربي آخر منكوب بالدكتاتورية، فذلك الابن اطلق النار على حارس والدته وقتله لأنه اراد تنفيذ اوامر "الست" التي لم ترق ابنها، المدلل، المطلق الحرية في عباد والده الزعيم الدكتاتور الطاغية المستبد.
اعلن الدكتاتور آنذاك انه سيعدم ابنه القاتل، لكن "أهل الخير" وجماعة "الإصلاح" الحريصين على امن الدولة والثورة تدخّلوا لتطييب خاطر سيدهم الطاغية، وابتهجوا باعداد الولد القاتل لوراثة والده القاتل في سدة الحكم القاتلة.
ولعب الاعلام العالمي دورا حقيرا في تغطية انباء ثورة الشبان الاحرار في مصر، ثورة يناير 2011، الأكبر والاعمق والأهم من ثورة يوليو 1952.. وبينما هلل الاعلام العالمي "للثورة البرتقالية" مرة و"للثورة المخملية" تارةً وللثورات البيضاء والناعمة في اوروپا، فقد تجاهل في البدء "ثورة الياسمين" في تونس و"ثورة اللوتس" في مصر، لأن هذا الاعلام الغربي مخصص لخدمة لصوص الرأسمالية المتوحشة في امريكا واوروپا، ولا تعنيه شعوب ما يسميه "العالم الثالث".
ولم يكن دور الاعلام المصري الرسمي انظف واشرف، بل كان على قدر مقزز من الحقارة والقذارة، حين راح يروّج للفتنة الطائفية ويلعب بالعواطف الاقليمية القطرية ويسوّغ الاعتداء على الإعلاميين الاجانب والعرب، وقدم مسرحيات تافهة بالسيدة مظللة الوجه التي روت "كيف دربها اليهود في امريكا وفي قطر للثورة على السيد الرئيس".
كان رد اشقائنا المصاروة على دعاوى الفتنة الطائفية رائعا حين قام العرب المصاروة من الاقباط المسيحيين بحراسة الجوامع في اثناء صلاة المسلمين، وقام العرب المصاروة من المسلمين بحراسة الكنائس والقداديس العامة في اثناء صلاة اشقائهم المسيحيين..
وتمادى الاعلام الرسمي الذليل المرتزق في حديثه التحريضي السام عن "المندسين المخربين الاجانب.. فهذا ايراني وذلك اسرائيلي" وسواهما "مش مصري".. الامر الذي شجع عمليات السطو والضرب والتخريب في مكاتب الاعلام، وخطف ناشطي حقوق الانسان والحقوق المدنية والمراسلين العرب والاجانب.
واستغلت عصابة الحكم في الولايات المتحدة الامريكية حالة "الفوضى الخلاقة" للتلويح بالتدخل (الاحتلال العسكري) لحماية الملاحة في قناة السويس، وكان من حقنا التحسب من عدوان ثلاثي جديد، امريكي- بريطاني- اسرائيلي، بذريعة "تأمين حرية الملاحة الدولية في قناة السويس".
لقد لخص شاعر مصري شاب في ميدان التحرير "ظروف" الثورة ومسبباتها بقوله الجميل والموجع والبسيط:
أنا اللي صاحب البيتْ: عايش بدون لازمَهْ
ولمّا مرّة شكيتْ: إدّوني بالجزمَهْ
هذه هي الحقيقة المرة، وآن الأوان لهذه الامة كي ترد على الطغاة العتاة المتجبرين الغلاظ وان "تديهم بالجزمة"، هم واسيادهم عبر البحار، على طريقة المناضل العراقي منتظر الزيدي..
وينبغي القول ان كل هذه الانتفاضات والهبات الشعبية والثورات لا تستدعي الركون الى الطمأنينة، فالطريق ما زال طويلا وشاقا وعسيرا ومليئا بالمطبات والفخاخ والمعوقات والحواجز، ومن واجبنا الانتباه دائما الى ان مرض السرطان لا يعالج بحبة أسبرين.. والسرطان الذي ينهش في جسد الامة وروحها وعقلها وتاريخها ومستقبلها هو سرطان "سايكس-پيكو"، المؤامرة القديمة والمتجددة بلا هوادة، كما نرى في العراق وفي السودان وفي المغرب وفي اليمن وفي سائر ارجاء وطننا العربي الكبير الذي جعله اعداؤه الخارجيون والداخليون مكانا غير صالح للسكن الانساني!
ان جريمة سايكس- پيكو- الخطيئة- المؤامرة، هي سرطان امتنا العربية وهي التي تتيح ما تبيح للطغاة، حكام ما يسمى الدول العربية، والتي لا تجوز تسميتها بغير حظائر سايكس-پيكو، هذه الجريمة الاستعمارية التاريخية المروّعة والمدمرة ما زالت متكررة في طبعات شتى وتحت اقنعة وذرائع لا يستحيل كشفها وفضحها.. ويقينا انه لن تقوم لنا نحن العرب قائمة، ولن نسترد مكاننا الطبيعي تحت شمس الله وبين شعوبه، الا بالإجهاز على مؤامرة سايكس-پيكو، الظاهرة المرعبة والحالة الوسخة المنتنة والمدمرة لكل ما هو عربي شريف ونظيف.
ويجدر بامتنا الانتباه الى ان غباء الانظمة ليس مطبقا بالكامل، فقد تعلمت بعض الانظمة من تجارب اضرابها، فطورت عملها الدعائي مستخدمة ادوات حريرية الى جانب ادواتها الحديدية. ونجحت بعض الانظمة في اعداد اصطبلات للمتعلمين "والمثقفين" المدجنين والمروّضين على الانتهازية والنفاق والرياء لأسيادهم وارباب نعمتهم الذين يغدقون عليهم العطاء لقاء اتقان الدعاية "لحسنات" الاقليمية و"لمواهب" هذا الزعيم او ذاك، بما يشجع الحفاظ على مسوخ سايكس-پيكو ومشتقاتها، ويعزز دعاوى التشرذم والتمزق من وراء اقنعة قومجية اقليمية دنيوية كاذبة ومزورة ومزيفة وخائنة بكل المعايير وبجميع المقاييس وفي كل المفاهيم القومية والدينية السليمة والحقيقية والعلمية والصادقة. ومن مهام اصطبلات المثقفين (الى جانب اصطبلات الخيول)، تمجيد انجازات الحكام الشكلية والباهظة التكاليف على حساب لقمة الخبز ودفتر الطفل ووردة الحرية.
وهكذا فقد تراجع الدور العربي في اقليم ما يسمى الشرق الاوسط، وسيطرت دول غريبة هي ايران وتركيا واسرائيل على مقدّرات الأمة التي تحولت الى مجرد كمّ سياسي مبعثر ومجزأ ومشلول الارادة والقدرات، وتحولنا الى كيانات هامشية ضعيفة وركيكة ومجردة من اعتبار العالم واحترامه.
لقد طفح الكيل وفاض مرة تلو مرة، عبر تاريخنا الحديث كله، وتدهورت اوضاعنا وانحطت احوالنا وتسيبت حثالاتنا سلطة وعملاء ومرتزقة وجواسيس بطشٍ وقهر وقمع. وتسيبت فينا عاهات الأمية والفقر والجهل والتخلف والمرض والانحلال الاخلاقي والعدمية القومية، وما عادت حبة الأسپرين كافية علاجا لداء السرطان المزمن والمستشري والمستشرس.. وآن الأوان ليرتفع الأذان ولتقرع النواقيس وتلتهب حناجر الملايين بنداءات الثورة العربية الكبرى من المحيط الى الخليج.. ويخطئ من يظن ان هذا الكلام مجرد حلم عاطفي.. ولا يقولنّ احد هذا مجرد خيال شعراء، فقد قلناها ونقولها: ليس هناك على الارض ما هو اكثر واقعية من خيال الشعراء!
قد نأخذ حبات الأسبرين لتسكين الأوجاع ولتخفيف الحرارة، لكننا لن نقرها علاجا لسرطان الأمة المزمن، سرطان سايكس-پيكو ومشتقاتها.. ليس لنا والله سوى الثورة العربية الكبرى والشاملة، لتحرير انساننا ولبناء دولتنا الحرة والديمقراطية والتقدمية والصالحة للسكن الإنساني.. هذا هو الطريق.. وأبدا على هذا الطريق!!
