هل الانسان أرقى الكائنات فعلا؟

single

يقوم الانسان خلال مسيرته في الحياة ولكي يحمي نفسه من عوامل الطبيعة، بالجمع والدمج بين مجموعة من العناصر المتنافرة والبعيدة والمتفرقة عن بعضها البعض، كالرمل والحصى والاسمنت والماء والحديد ليحصل على ما يريد من انشائه، كالبيت والمصنع والمدرسة والجمع بين تلك العناصر بتناسق يعطي المراد منه، ولكن الذي يبدو من المستحيلات هو الجمع بين بني البشر ليكونوا اسرة واحدة ويتعاون افرادها بكل محبة واحترام وتفاهم وتنسيق لما هو في صالح الجميع ابتداء من الاقارب الى الشعوب، وكما هو موجود فالاختلاف في الدين والانتماء والتفكير والاستعلاء العنصري وتعمق نزعة الانا مع كل ما يرافقها من سيئات وادارة الظهر للآخرين حتى من الاقارب والرقص على الدماء والآلام والمآسي والاحزان، يحول دون تقارب بني البشر ورؤية المشترك والسعي للعيش الكريم المفروض ان يكون للجميع انطلاقا من مقولة ان الانسان ارقى الكائنات، هذه المقولة التي تشمل الانسان كانسان على سطح الكرة الارضية ولم تقل ان الامريكي هو ارقى الكائنات او الاسرائيلي او الروسي او الفرنسي او الالماني او المسلم او المسيحي او اليهودي او الهندي او السني او الشيعي او الحنبلي وهكذا، وللانسان بغض النظر عن انتمائه مشاعره وحواسه ونبض القلب ذاته والتنفس ذاته والمشي ذاته، وقال تشيخوف ان حاسة الجمال لدى الانسان لا تعرف قيودا او حدودا ولكن الواقع القائم في العالم كله بشرقه وغربه وشماله وجنوبه، يدحض هذا القول، فعندما تتغلب حاسة الحقد والاستغلال والنوايا السيئة والظلم والكبت والحرمان والقتل والتدمير، لا تضع الحدود لحاسة الجمال وحسب، وانما تقيدها وتكبلها بابشع القيود وتشوهها وتطمسها وبالتالي تغيب عن تفكير الانسان ونواياه ومشاعره واهدافه وسلوكياته خاصة المسؤول، وحقيقة هي ان تكوين موقف الطفل عندما يبدأ بالنمو من موضوع ما كالحب مثلا او الطبيعة او الصداقة او العمل، شرط لغرس حب الجمال فيه ولغيره وبالتالي لاتخاذ موقف في الحياة، فهل الذي ينمو في بيت ثري وبين الالعاب الثمينة والادوات الكهربائية الثمينة والسيارات الفاخرة والكتب وكل ما لذ وطاب من مأكولات وملابس ونزهات ودلال، كالذي يتضور جوعا ولا يعرف الكتاب والثياب الجميلة والعطف والحنان ويعاني من الكبت والحرمان والقمع والحر والبرد والضرب؟ وهل الذي ينمو في بيت عسكري او عنصري ودائما يسمع التفوهات الاستعلائية واحتقار ليس من هو من قوميته او دينه وزرع الاحقاد فيه للآخرين وعدم احترام حقهم الاولي بالعيش الحر الكريم وفي احضان السلام والمحبة كالذي ينمو في بيت يحثه على تعميق الصداقة مع اترابه بغض النظر عن انتمائهم القومي او الديني وان الاولوية والقدسية لانسانية الانسان الجميلة والرائعة والطيبة الشعور والحواس والافكار والسلوك والاهداف المؤكدة فعلا ان الانسان ارقى الكائنات؟ وهل الذي يزرع فيه اهله حب الطبيعة وجمالها ونقاوة نسيمها وبالتالي ان يحافظ على ارتباطه بها وبارضه ووطنه ويزرع كل ما هو جميل ومفيد ورائع من ورود وسنابل واشجار كالذي ينمو في بيت يزرع فيه اهله حب العسكرة والقنابل والقتل والاحتلال ووسائل القتل والهدم ويتفاخر بالدبابة والبندقية والطائرة الحربية وبالتالي زرع الارض بالالغام والقواعد العسكرية؟ ومن هنا فالسؤال الذي يطرح نفسه وعلى ضوء نتائج الاستطلاع الاخير الذي اجري قبل اسابيع قليلة حول التجند في الجيش وبينت مدى الارتباط بالجيش واهدافه وتعمق النزعة العسكرية في المجتمع اليهودي، متى يستبدلون لغة المدافع والاحقاد والهدم والعسكرة والاحتلال والاستيطان والتهديد والوعيد والقصف والحواجز العسكرية والجدران والضغط على الزناد والقواعد العسكرية وتكديس الاسلحة بلغة البلابل والزنابق والشدو الجميل والتسامح وحسن الجوار والتعاون البناء والمصافحة الانسانية النزيهة الحقيقية وحسن النوايا والتطلع الى المستقبل الجميل وازالة الحواجز بين ابناء الشعبين وبالتالي بين ابناء المنطقة والعالم وزرع بذور واشتال وقيم المحبة الجميلة والسلام والتعاون البناء والعلم والتعايش الجميل باحترام وتفاهم وتنسيق لما هو في صالح الجميع وجمالية انسانية الانسان وانه ارقى الكائنات، والسير نحو المستقبل الاجمل بقافلة حب تحمل الجماليات في العقول والقلوب والصدور والنبض والبرامج والتخطيط والشاحنات، ان المطلوب من كل القوى التي تعز عليها حياة الانسان كانسان القيام بورشة عمار روحية فكرية جمالية اممية وبالتوازي مادية بدلا من جرائم الهدم المادية والروحية، فما هو الافضل ان تمتد الايدي لتقطف الورود والثمار وتحصد السنابل وتنظف الاوساخ وليس من الشوارع فقط بل من العقول والقلوب والمشاعر والنوايا، ام تمتد لتتصافح بمحبة وحسن نوايا والسير الى الامام في طريق المحبة والتعاون البناء والاحترام المتبادل ام تمتد لتضغط على الزناد وتقتل وتهدم وتشوه وتقتلع المحبة وتدوسها وتزرع الاحقاد والمصائب؟ وبناء على الواقع القائم في الدولة فان وجه المجتمع الاسرائيلي يعج بالكثير من القروح والدمامل والبثور العنصرية التي تزيده بشاعة على بشاعة واوسخها واخطرها التي تتسع وتتزايد وتنتشر بكثرة ويزداد قيحها، بثور ودمامل وقيح العنصرية والفاشية، وكيفية منعها ومنع العنف المرافق لها والناتج عنها لا تأتي من السماء وانما الذي يعيش في مستنقعات الفقر والفوضى والحرب والاستيطان والتمسك بالاحتلال والعنصرية والبطالة والجوع وتفضيل الدبابة والقنبلة والبندقية على حبة الدواء ولقمة الخبز والقلم والدفتر وراحة البال هل سيتصرف ويفكر ويسلك بعقلانية وجمالية واخلاقية وحب للاخر وتوطيد العلاقات معه لما فيه صالح الجميع؟ وعندما يجري التأكيد على قيم المسؤولية تجاه حق الانسان الاولي في العيش وتلبية عناصر مقومات حياته الجميلة وان يحب للآخر كما يحب لنفسه والعمل على ازالة الفوارق بينهما وتعميق نزعة الاهتمام الواحد بالآخر والسؤال عنه وعن احواله والسعي لنبذ الاحقاد والفوضى والاستهتار الواحد بالآخر واللامبالاة عندها بلا شك تكون النتائج افضل واجمل وعندما تتحقق الاهداف والنوايا والرغبات والمبادرات والبرامج الجميلة ويبدأ التنسيق بين الناس لما هو في صالح الجميع ونبذ ما يشوه جمالية انسانيتهم، يكون ذلك بمثابة خطوة اولى في طريق توحيد العنصر البشري وتعميق جماليته في كافة المجالات والنواحي ليكون فعلا اسرة واحدة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الصورة التي زعزعت العالم !

featured

لا تيأسوا، لا تستسلموا!

featured

فعلها مرّة أخرى

featured

سفاحو الطفولة وحوش ومجرمو حرب

featured

قصة هدم بيت محمد نعمان أبو سالم هي قصتنا جميعا ، وصموده صمودنا

featured

وحوش مسعورة جائعة

featured

كلام يُراد منه النقاش والتصحيح والمراجعة والانتباه