قصة هدم بيت محمد نعمان أبو سالم هي قصتنا جميعا ، وصموده صمودنا

single

كان يوم السبت الموافق 16-07-2010 يوما تموزيا حارا ، "ففي تموز يستوي الكوز " كما يقول المثل الفلسطيني العريق ، تعبيرا عن شدة  حرارة هذا الشهر ، ونحن بهذه الخبرة التاريخية التي تعتمد على التجربة من خلال البقاء في الوطن ، أجيال تلو الأجيال ، لا نحتاج لكل هذه التوقعات الفهلوية عن الطقس وتقلباته ، فإن الفلاحين  عندنا لديهم تقدير الطقس يوميا حسب هبوب الريح وموقع الشمس في السماء وأمواج البحر والنباتات وسلوك الحيوانات كل هذه كانت تعطي مؤشرات تفيد الفلاح عن أحوال الطقس في بلادنا يوميا .
في هذا الطقس التموزي جاء وفد ممن يهمهم أمر الحياة في سلام في هذه البلاد لزيارة دار محمد نعمان أبو سالم المهدومة وليطلعوا عن كثب على مافعلته آلة الدمار الهمجية في بيت آمن .
لم يطلع هؤلاء الأخوة اليهود على ما حدث إلا من خلال ما نقلته لهم شفويا ، ذلك لأن الصحف العبرية لم تكتب عن عملية الهدم هذه بالمرة " ويا قريش ماعندك خبر " ولذلك قرروا أن يروا بأم أعينهم ، وأن يتضامنوا مع الضحية .
محمد نعمان أبو سالم ، كان لي الشرف أن أعلمه وإخوانه وأخواته في المدرسة الإبتدائية ، قال لي : ماذا أقول يا أستاذ ؟ قلت : قل الحقيقة .. وحدثهم عن نفسك حقيقة كما أنت ....
وبدأ حديثه ..وهو عمليا أنقله كنموذج واقعي لأبنائنا الذين تهدم بيوتهم في قرانا ومدننا .. ولكنه حديث يمزق القلب مهما كان قاسيا ويبين إلى أي حد من الغباء وصلت هذه الحكومة كما استنتج الضيوف اليهود أيضا .
ولدت في بيت جدي الذي لم يتجاوز ال124 مترا مربعا وضمنه كان بيت والدي عندما تزوج في نفس المساحة المتاحة .. ... نحن عائلة عمالية بسيطة .. جدي كان عاملا ووالدي عاملا ... وأسرتي تتكون من سبعة أخوة وأخوات ووالدي ... عمل والدي وأنا وإخوتي بجد واجتهاد لنستطيع شراء نصف دونم أرض أو أكثر لبناء بيت لنا أردنا أن نسكن معا لأن هذه الإمكانية الوحيدة أمامنا ... نحن من عائلة صغيرة في البلدة معروفة بمحبتها لجميع أهل القرية وسكانها .. صرفنا جل جهدنا بالعمل والجد والإجتهاد ، وأردف والده الذي حضر اللقاء قائلا حتى أننا لم نتدخل بالسياسة بشكل عام لئلا يؤثر ذلك على أبنائنا .. ولأننا نريد العيش بسلام .
بعد شراء الأرض خطبت وبدأنا نشتغل في بناء البيت  أرسلنا أوراقنا للجنة التنظيم والبناء في عارة فردوها على أساس أن اللجنة المخولة هي اللجنة اللوائية في حيفا و وقد جاء ممثلو اللجنة إلى مكان العمل ولم يتحدثوا معنا لم يطلبوا إيقاف العمل ، وعندما أنهينا العمل  وسقفنا المنزل المكون من طابقين لوالدي ولأخوتي ولي بدأوا بإرسال التهديدات بالهدم أوكلنا محام للدفاع عنا وطلبنا تأجيل الهدم حتى تتضح صورة المنطقة خاصة وأنها ضمن إتفاقية الروحة من عام 2000 تعتبر ضمن أراضي عارة عرعرة ، ومن المفروض أن تكون أيضا منطقة بناء ، أرسلنا رسائل بأن ندفع جزاء وغرامات مالية وصلت قضيتنا لمحكمة العدل العليا ولكن لا حياة لمن تنادي .
جاءوا حوالي الساعة الثالثة  صبيحة الأحد الموافق 11-07-2010 ونحن نيام، مدججين بالسلاح والهراوات وآلات الهدم والتدمير وكأنهم في حرب ضروس  ، فهدموا المنزل والجنود يقولون أنظر بنفسك كيف نهدم بيتك ... هل أنت مبسوط هكذا ... نريد أن ترى بأم عينك .... ولماذا تسكن هنا إذهب إلى جنين .. إذهب إلى نابلس واسكن هناك ..... كانوا ساديين يضحكون ويقهقهون بل صفقوا عندما بدأت عملية الهدم بأمر من القائد .
ربما يتصور الإنسان كل شيء .. ولكن لا يمكن أن يتصور هذه السادية وهذه الثقافة العنصرية الشوفينية التي تلقاها الجنود  الذين بعضهم بعمر الشاب نفسه بعمر محمد نعمان نفسه ...
ولكن محمد يقول إن هدفهم ألا نكون هنا ليعرفوا وليعرف كل من لديه ضمير ومن هو بدون ضمير أيضا  أننا لن نرحل عن هذه الأرض الطيبة ... هنا هدموا البيت لئلا أتزوج وأفرح به ولكنني مستعد للزواج تحت هذه الخيمة ولن أرحل عن وطني وعن بلدي .. ولدت هنا وسأبقى هنا .
هكذا أكاد أنقل كلامه كلمة كلمة ... كنت أعجب بكل كلمة يقولها بهدوء وبروية ... وصدقوني بعقلية  وأفق تفوق العديد من أعضاء الكنيست العنصريين .. فهذا الشاب بدا لي وهذه حقيقة أعتز بها أنه يملك المستقبل .. كل المستقبل ... ولم ينس للحظة أن يشكر المتضامنين ، الذين أثنوا عليه وكانوا يهمسون بين بعضهم البعض على هذا الوعي .. وقال أحدهم حبذا لو كان لنا قادة بهذا الوعي وهذا الأفق .
محمد نعمان وقصة هدم بيته هي في الواقع قصة ال165 منزلا التي هدمت في عام 2009 ، هي قصة البيوت التي هدمت في عام 2010 ، هي قصة البيوت التي تنتظر الهدم إذا ما بقيت هذه الحكومة التي تزداد غباءا يوما بعد يوم ،  هي قصة شبابنا مع هذه الحكومة التي تتقيأ العنصرية .. ولكنها قصة صمودنا وقصة وعينا .... قصة العين الثاقبة والتي ترى الأمل والمستقبل مزهرا أمامها ... إنها قصة النجاح الأكيد في جعل هذه البلاد جنة الله على الأرض رغم أنف الظالمين والمضطهدين والمفرقين والفسادين أينما كانوا ومن أي ملة كانوا فأمة الظلم  واحدة ، وأمة العدل والمساواة والأحترام المتبادل والسلام واحدة .
وستبقى عمليات هدم البيوت العربية من طبائع الإستبداد الذي أشار إليه المفكر العربي عبد الرحمن الكواكبي(      توفي عام 1902 بسم المستبدين )  إبن الشهباء حلب ، بل  هي الإستبداد بعينه ... والمستبد حباله قصيرة لأن الشعب أقوى منه وأحق منه بالحياة الحرة الكريمة .. وتحية لك يا محمد نعمان  والمستقبل لك ولأمثالك .

 


( عرعرة – المثلث )

قد يهمّكم أيضا..
featured

شباب مدى الحياة (2)

featured

طفيليات الحكم في الخليج

featured

عن حدود استخدام القوة

featured

أسطول الحرية والقرصنة الرسمية

featured

إلى متى سنبقى نؤسس؟

featured

أما لهذا العنف من آخر!

featured

شُرّد طفلا، عاد الى بلده شامخًا يلملم الجراح والذكريات

featured

بلدياتنا ومجالسنا المحلية العربية: سلاحف انقلبت على ظهورها!