فرح الوطن وغنت الارض، وانفرجت اسارير الاهل وتعالت الفرحة بين الصغير والكبير، غدت كويكات القرية الاصل وكأنها على موعد استقبال احد ابنائها المبعدين المغيبين المهجرين قسرًا، الذي شرّد منها طفلا وهو ابن الخامسة وها هو يعود اليها رجلا كبيرا قيمة وشأنا، بعد غياب دام ما يقارب السبعين عاما، انه ابو الرائد (ف.م).
تشرف العائد الى وطنه وبلده، انه حلم العودة الذي طال انتظاره كثيرا. كلما امتدت السنين اكثر في جوف التاريخ زاد الحنين والاشتياق اكثر. حين ينتقل من جيل الى آخر ليكبر الحلم ويتفاعل الحق ويتحرك الدم في العروق.
ان عند العودة ما في عودة.
وقف صاحب الحق منتصب القامة كالمارد الفلسطيني، وأخذ ابو الرائد يتأمل ويدقق النظر في الأفق البعيد تارة نحو عكا وحيفا والساحل، واخرى الى رأس الناقورة والبصة والكابري والغابسية وغيرها من اخوات كويكات المعذبات. يسأل عن ترشيحا وعمقا على ما يظهر لهم مكانة خاصة في اعماقه، وقف حائرا امام ضريح سيدنا محمد القرشي او القريشي المنتصب على المدخل الشرقي لبلدة كويكات، والشاهد على عمق المأساة ورحلة العذاب التي حلت بالقرية وسكانها في نيسان - ايار سنة 1948 على يد العصابات الصهيونية واحتلال القرية بالكامل وهدمها وتشريد اهلها الى بقاع الارض وزواياها.
كان ابو الرائد في حينه طفلا لا يعي ما جرى وهو لا يتعدى الست سنوات، لكن في طيات مخيلته وبقايا طفولته البريئة التي انكسرت بعض الاماكن العالقة والمحفورة والمخزونة في ذاكرته الشخصية والجماعية لجيل ابو الرائد (ف.م) حين يتذكر المقام وعين الماء والمدرسة والطريق الترابي المؤدية الى قرية عمقا المجاورة. وكذلك مقبرة كويكات والخالدين فيها القابضين الشاهدين على انهم من هذه القرية الوادعة، ومن جبلّة هذا التراب الكوكاني الفلسطيني المعذب والمنغرسين في اعماق الذاكرة واعماق التراب الذي تشرف بهم وتشرفوا ان يكونوا اما عليه او في داخله. قالها في صيرورة نفسه، حين طرح السلام وقال صباح الخير يا كويكات، سلام عليك في اوقات الصلوات الخمس، ومع اشراقة كل صباح. كان ذلك صباح يوم العاشر من نيسان 2017 حيث وطئت قدماه تراب الوطن والبلد. واذ بالازدهار تتفتح والارض تلبس حلتها الخضراء اليانعة، فيما كانت الطيور هي الاخرى على موعد بقدوم ابو الرائد (ف.م) الى بلده ووطنه. اخذت البلابل في ذلك الصباح تشدو نغم الحياة وعلى غير عادتها توقفت السمفونية واخذت تعزف لحن العودة المؤقتة ونغم العيد بالعودة لا محالة، وقد ارتسمت الفرحة والبسمة على محياه غير واثق ان قدميه تطأن تراب الوطن الغالي وبلدة كويكات الحبيبة واحدة من (531) قرية فلسطينية معذبة مهجورة مشردة مهدومة تبكي ويبكين اهلها. جرى مسحها من على وجه الارض على امتداد جغرافية الوطن وسنوات الجرح الفلسطيني النازف طيلة قرن من الزمن، فيما يبقى حال الارض والبيت والحاكورة وحوض النعنع وكرم التين والصبرات وعين الماء والجيران وصوت الجد والجدة يهدر كالرعد معلنا، يا اهل الدار عودوا طولتوا الغيبة، ويتردد الصوت جايين يا اهل البلد جايين. تزامنت عودة الفارس ابو الرائد (ف.م) الى وطنه وبلده المهجرة كويكات، والى اهله لتشكل حافزا وتدشن افقا جديدا ومرحلة مستحدثة في تعميق مفهوم التواصل على ان يعقبها تجدد وارتباط في نقل راية التواصل الى الاجيال الشابة الجديدة، لان التواصل والزيارة الوطنية والاجتماعية، تزيد الارتباط بالأرض والوطن والاهل، وتعمق الادراك والحس الوطني لتتفاعل مع قوة الحق مع اقتراب مسيرة العودة الـ (20) المقرر اجراؤها في 2-5-2017 على اراضي قرية الكابري المهجرة في منطقة الجليل الغربي.
الفرحة كبيرة وعارمة، وقد غمرت الصغير قبل الكبير والحفيد قبل الجد والجدة. والصبية قبل الام والست، كان الهتاف في القلب يعتمر ويشتعل من شدة التعبير عن ما يختلج في النفوس التي انتظرت طويلا، ذلك القدوم لواحد من فرسان النضال وحق العودة، كان لم الشمل للقسم المزروع في وطنه، قد تجاوز المسافة الممتدة والراحلة مع القسم المشرد والمغيب عن حدود وطنه، فهو الحاضر بيننا والذي بدونه تبقى القضية ناقصة وغير عادلة في مربع الحلول المطروحة العادلة وغيرها.
كان اللقاء مع ابو الراد (ف.م) قد بدأ يتدفق حرارة وشجون مع تدفق خيوط النور الاولى وتبدد حلكة الليل الطويل، شعر المستقبلون ان الوطن لا يسعهم في هذه اللحظات، وان الحواجز والمعيقات قد تحطمت على صخرة التواصل والالتقاء لأبناء الاسوة الواحدة والشعب الواحد، بعد افتراق قسري دام حوالي سبعون عاما الى الوراء، محطمين مقولة (غولدامئير بأن الكبار يرحلون والصغار ينسون، وبهذا تتلاشى وتزول القضية والحق الفلسطيني). لكن الواقع الملموس والعملي يشهد انه مهما تجاوزت الايام والسنين وتباعدت المسافات وامعن الحكام الصهيونيون والمستوطنون الكولونياليون في التنكر لهذا الحق الطبيعي والمقدس ومهما اظلم وتآمر الحكام العرب وذوو القربى على فلسطين وشعبها الأبي، يبقى الشعب الفلسطيني الطيب الاصيل اقوى من الموت والاندثار والمؤامرات والنسيان والتغيير وغيره...
تسابق الأحبة والاصدقاء والاهل والمعارف من الكواكنة وغيرهم الى الديوان الكوكاني للتعرف عن قرب على الكوكاني الجديد المتجدد من اعالي الشمال الاوروبي. لرؤية الاهل وتقبيل التراب الكوكاني والتعرف على معالم البلد واهلها الطيبين من الاخوة الكوكانية الصامدين في الوطن والذين كان عددهم اليوم في فترة الـ (70) عاما من عمر النكبة والمأساة اضعاف اضعاف عدد سكان كويكات سنة 1948.
عاد ابو الرائد (ف.م) الابن البار لكويكات بلده ووطنه ليس ليكحل عينيه في جغرافية وتضاريس الوطن والارض فقط، وانما ليشرب ويرتوي من مياهها العذبة وليأكل من صبرها وتينها وليقطف من زيتونها ويحصد قمحها ويعبق في هوائها وكل ما تجود به الارض الكوكانية الفلسطينية العربية.
كان يقول في صمت وسكون شديدين ينمان عن أسى ومرارة فاقت كل الحدود، أية جنة كانت على هذه الارض، ما الذي جرى وكيف قبل حوالي 70 عاما، هل كانت بلدنا كويكات فعلا وطننا الصغير فردوس الملكوت الاعلى، كي يتآمر عليه قادة الصهيونية والاستعمار واصحاب الفخامة من الرؤساء والامراء والملوك العرب. من اجل تشريد اهل هذا الفردوس الى مختلف وزوايا بقاع الارض، فها هي الدموع لم تجف طوال الغيبة الطويلة على فراق ماومنتركوه وما زرعوه وما هدموه من بيت ومدرسة ونبع ماء واسطبل وتدمير البشر قبل الشجر والحجر في جنة الكواكنة على الارض.
فتحية اجلال واكبار الى كويكات الاهل والماء والخضراء والوجه الحسن والى عموم المشردين والمغيبين اينما كانوا.
وتحية الى كويكات المجد والكرامة والعزة والتكاتف والشجاعة والبسالة والالتزام الوطني.
وفي ذكرى مسيرة العودة الـ 20للاخت الكابري البطلة. ابدا على هذا الطريق، وعن حق العودة ما في عودة الا الىكويكات واخواتها حتى ولو بعد قرن، لينتقل الحق والمطالبة بالحق من الجد للابن وابن الابن، ثم الحفيد الاول والثاني وغيره....
(كويكات / ابوسنان)
