يا ريت أهل غزة حراذين

single


تعودت دائما وبعد أن اكتب أي خاطرة تجول بخاطري، أن اطلب من زوجتي التمعن فيها وقراءتها من اجل التقويم والتصحيح. فهذه المرة لا تختلف عن مثيلاتها السابقات حيث طلبت منها القراءة والتدقيق ولكنها صعقت ودهشت عندما حط نظرها الرحال على العنوان فقط ومن دون أن تكمل، وقالت: "ماذا دهاك اليوم؟ ماذا جرى؟ وأي تغيير طرأ على أفكارك ورؤيتك؟ ولماذا تتمنى للأشقاء الأشقياء بان يتحولوا الى حراذين؟ أينقصهم الهم والغم والشقاء والتعب والبؤس؟" 
فهدأت من روعها وقلت لها بان آرائي لم تتغير ولن تتبدل ولم تتزحزح قيد أنملة بل ازدادت يقينا ورسوخا. وطلبت منها أن تنظر الى صورة كانت تتوج احد المواقع الاخبارية وفيها طائرة هابطة في مدرج احد المستشفيات في جنوب البلاد ومنها نزلت ثلة من الجنود المدججين بالسلاح وهم ينقلون احد الجنود المصابين على حمالة مسرعين باتجاه المبنى.
فنظرت الي زوجتي وكأنها تتساءل عن الغريب في الصورة، وكأنها تريد القول بان كماشة الحرب قد أطبقت فكيها على الجميع كما يطبق المفترس على فريسته، فلا مفر من القتل والالم والدمار. ولكني استدركتها وقلت لها بأنك هذه المرة أخطأت المراد ولم تسعفك نباهتك في فهم مطلبي، فأنا لم اقصد في أن اريك منظرا يكاد يكون مألوفا في فترة الحرب إنما أريدك التمعن في وجه ذاك الجندي المصاب والذي ينزف دما من أرنبة انفه، ملابسه يعلوها الغبار والصديد، ممزقة، الدموع تنهمر من عينيه، ولكن ومع هذا كله فانه يشير بشارة النصر قبالة الكاميرات وكأنه يقول ومن غير كلمات بأننا سننتصر في الحرب فلا تقلقوا.
ازداد استغراب زوجتي. قلت لها بان هذا الوجه مالوف لدي، وأنا اعرف ذاك الجندي حق المعرفة. تذكرته، تذكرته، تذكرته. قبل عده سنوات كنت اعمل في العطلة مع احد المقاولين من البلدة في إحدى المستوطنات القريبة من قريتنا. وشاءت الصدفة أن نقوم ببناء وتشييد منزل حديث لأحد الشباب اليهود الذي فضل واستحسن المجيء الى منطقتنا لغنى الطبيعة فيها والعزوف عن منطقة مركز البلاد المكتظة والملوثة.
خلال العمل والحديث المشترك بيننا حاول هذا الشاب أن يبين لنا عدم اتقانه وفهمه للغة العربية، ولكن الشك ساورني في ذلك، فمن خلال عدة مراوغات قمت بها لم يبق أمامه الا الاعتراف بأنه يتقن العربية قراءة وكتابة. لا بل هو يتقن اللهجات واللكنات وهو متمرس أيضا في المصطلحات والأمثال وفي القصص والشعر. عندها أيقنت بان هذا الشاب يعمل في احد فروع جهاز الأمن، لذلك أخذت حذري منه وآثرت عدم الاختلاط به.
ما شد انتباهي اليه أيضا هو ولعه الشديد وحبه للطبيعة، فلا تكاد نبتة أو عصفور أو حشرة يحط قبالتنا الا وشرح لنا عنه وعن طريقة حياته، فهو شغوف بالطبيعة وبالحفاظ عليها، لدرجة انه كان يمنعنا من أن نضع أسياخ الحديد على الصخور خوفا من أن نجرحها أو أن نغير من تكوينها الفيزيائي، فهو يؤمن بان الصخور تتكون خلال ملايين السنين ولكن تفتيتها لا يتطلب الا دقائق معدودة.
خلال العمل توجهنا له بطلب إحضار جرافة لكي تقوم بإزالة اكوام الاوساخ والركام ليتسنى لنا العمل، في البداية عارض الفكرة لان دخول جرافة ميكانيكية الى قسيمته تعد من سابع المستحيلات لأنها تدمر الطبيعة وتحدث بها ضررا لا يعوض. ولكن وبعد محاولات إقناع عدة استبسلنا فيها في الدفاع عن مطلبنا، قبل الأمر وعلى مضض وشريطة أن تعمل الجرافة ببطء وحذر شديدين.
خلال عمل الجرافة –هذا الديناصور الحديدي- وخلال جرفها للصخور والاتربة، جُرف حرذون صغير ودفن بين التراب. وإذ بهذا الشاب يصرخ بوجه مشغل الجرافة والطلب منه أن يتوقف عن العمل حالا وسريعا. بداية ظننا أن الشاب قد أصيب خلال العمل، فهرولنا مسرعين لنتمحص الأمر، ورأينا بان الشاب سليم معافى ولم يمسسه ضرر بل اخذ معولا واتجه الى كومة التراب واخذ بالبحث عن الحرذون المدفون حتى استطاع إخراجه من التراب، وبعد معاينته ذهب به الى الحرش القريب وهناك تم إخلاء سبيله.
واليوم انا لا افهم كيف يمكن لإنسان مرهف الحس كهذا أن يستميت في الدفاع عن حرذون صغير لا حول له ولا قوة ومن ناحية أخرى أن يطلق النار والقنابل على أطفال ونساء عزل لا حول لهم ولا قوة. فأتمنى فيما لو عومل الناس كمعاملة الحراذين.


(دير حنا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

النضال الأممي هو الجواب في الصراع القومي الدامي! (الحلقة 2)

featured

انتخابات وعورات

featured

الجواب عند الشعوب

featured

ثوري آخر ترجل

featured

ألجرة المتصدّعة

featured

الأصل العربي لكلمة "تسونامي"!

featured

سوريا تريد السلام. اسرائيل تريد الجولان

featured

في رحيل طيب الذكر حبيب بولس: وغاب فارس آخر