في رحيل طيب الذكر حبيب بولس: وغاب فارس آخر

single

إذا كان عشق اللغة عبادة فأنت قديس ناسك صوفي.
وإذا كانت اللغة ليلى فأنت مجنونها.
وإذا كانت اللغة العربية فرسا عربية أصيلة فأنت فارسها الملوع بحبها والمتيم بعشقها.
 أحطتها بالعناية والدلال فأطاعتك راغبة راضية مرضية، هكذا تسنى لك تطويعها برقتك المعهودة وتدفقك الملائم لانسيابها.
 سبرتها دارسا باحثا، وتجولت متنزها هائما في حناياها، وحللت ضيفا في مخادعها الطاهرة المحرمة على أعدائها الارجاس.
 فمبارك عليكما، وعلى كل من تلبى من حليب هذا اللسان الضادي الشادي العطر، الذي انفرد بخصائصه وتمايزه عن كل الألسنة. مبارك هذا الانسجام السامي، هذا الانسجام والتماهي الذي فيه كل عناصر وخصائص الرفعة والنقاوة والحكمة.
 قادتك مهارتك اللغوية وفلسفتها النافذة إلى إبراز كل ما هو ثوري ووطني وإنساني في حضارة الديانات فكانت لك عونا وأنارت لك السبيل.

 

 كم أدهشتنا يا أبا العبد الحبيب هذه العلاقة الجذرية الجدلية، التي تألقت في نسجها، وأحسنت في صناعتها، بين امتياز لغتك وبين صحة رؤيتك السياسية ومواقفك الطبقية والإنسانية.
 لقد أحببت يا حبيب العدل بمفهومه العام، والاجتماعي منه تحديدا فكنت قلقا متألما من اجل المظلومين، متحيزا الى جانبهم، مكافحا مناضلا في سبيل حقوقهم المسلوبة التي كانت وما زالت سبب تعاسة البشرية.
 لكم آمنت بالعمل والعمال وتجندت في صفوفهم عندما انتسبت إلى حزبهم الثوري، الذي كان وسيبقى الجيش الباسل، والمدافع الرائد عن الشغيلة ومصالحهم، ولن يهدا لهم بال قبل أن ينشروا العدل والمساواة بين الناس كل الناس.
 اعرف يا أبا العبد كم كنت تمقت العنصرية والعنصريين، وكم اشمأززت من الطائفية والطائفيين، وكم آثرت أن تكون الزهرة المداسة على القدم الدائسة عندما تطلب الأمر موقفا وطنيا شجاعا وتوجها إنسانيا عاقلا. كم آلمك يا حبيب ظلم ذوي القربى، وكم اشتدت عليك مضادته، الا انك لم تفقد البوصلة ولم تكن كرها بهيميا لأحد، بل حملت في صدرك عتابا شديدا وكم أرهقك وأرقك طولا عرضا، هذا الهم اللعين، وما بدلت تبديلا.
 أيها الحبيب المعذب يا حامل هم شعبك في حنايا صدرك. كم آلمك، وأي الم، وضع شعبنا الفلسطيني أينما وجد وحيثما حل وكم أثارتك وأغضبتك طيلة هذه السنين من العذاب والمعاناة لهذا الشعب المعذب العنيد الأسطورة.
 لم تضع السلاح مستسلما، ولم تنذو يائسا ولم تتوانَ جبنا ولم تتردد يوما في قول كلمة الحق عند السلطان الجائر. هكذا أنت، وهكذا فقط يفعل الفلسطيني الأصيل والعربي العريق والشيوعي المقدام.
 واذكر يا حبيب أن كفرياسيف أمك في الولادة، وان الناصرة أمك في الرضاعة وان فلسطين والداك الشرعيان وان العروبة وشامها إمامك وان الإنسانية قديسك، وان الادب قبلتك، لذا لا حزن ولا خوف عليك.
ولا بأس لو حلقت فوق رؤوسنا كلما طاب لك التحليق.

 

 (سكرتير فرع الحزب الشيوعي في الناصرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ثورة وثروة كان ابن البروة

featured

أعدّوا المناديل!

featured

ما يلوح في الأفق.. وما يُحاك من مخططات سلطوية مشبوهة

featured

وداعا احبائي أهل عكا

featured

صفحات من تاريخ شفاعمرو: مقتل صالح أفندي المحمد شبل

featured

كـأننا يا بدرُ لا رُحنا ولا جينا

featured

اقضوا على التشرذم!