سويسرا عربية

single

عدت مؤخرًا من سويسرا الأوروبية مباشرة لمدينة اللد الأبيّة، حيث قمنا في جمعية نعم - نساء عربيات في المركز، بتنظيم عرض فيلم مفرق 48 للنساء في عرض خاص في قاعة من قاعات سينما ريشون لتسيون  المجاورة. يروي الفيلم قصة مدينة اللد من خلال قصة حياة الفنان تامر النفار، ولكني رأيت فيه رسالة قوية لنساء اللد والرملة حيث يتحدث الفيلم عن صراع الشابات العربيات من اجل مستقبلهن أيضا .
 مثل أي عمل سينمائي يحتوي الفيلم على مشاهد توحي بالحب والتقرب بين بطل الفيلم ورفيقته وفيه مشاهد يتفوه بها مجموعة من الشباب بالكلمات النابيّة.
لذلك وإيمانا مني بأن للنساء حقا في مشاهدة فيلم يعكس واقع حياتهن، قررت مع مخرج الفيلم وبطل العمل، أن انظم عرضا نسائيا وحصريا للفتيات والنساء لكي تتمتع النسوة بالعرض دون إحراج او انتقاد خارجي وضغط ديني او مجتمعي.
ورغم ان الفصل بين الجمهور في عرض ثقافي او فني لا يتماشى مع  إيماني بحق النساء بالمشاركة في الحيز العام، إلا اني في هذه الحالة أقنعت نفسي أن الفصل سيتيح للنساء الخروج من البيت والتمتع بفيلم ببساطة ودون تشويش .
طبعا هذا لم يحدث، ودارت القلاقل تلحق باللواتي أبدين رغبة بالمشاركة، فقد نشرت الدعايات في البلد أن "الفيلم إباحي" وفيه " وساخة" لا ترضى بها امرأة مسلمة،  وكما هو متوقع تراجعت عشرات النساء من المشاركة .أما نحن في الجمعية فقد حاولنا شرح الأمر وتخفيف وقع الفتوى الافتراضية أياما قليلة قبل رمضان، وحاولنا التفسير والتعليل انه نظرا لحساسية هذه الأمور اخترنا عرضا مغلقا للنساء فقط .
تساءلت في نفسي كيف قرر من قرر وأفتى من أفتى انه ممنوع للنساء حضور فيلم سينمائي وماذا يزعجهم فعلا في هذا، فحتما قد شاهدوه هم أيضا! ألا يعلم هؤلاء ماذا تشاهد النسوة والفتيات والشباب أيضا في رمضان وعلى مدار العام من مسلسلات وأفلام هابطة من التركي والهندي والكوري والمصري،هل حاول احد الأوصياء على الإسلام الإبحار في موقع يوتيوب مرة؟
 لم يكن سهلا أبدا الخروج للفيلم بباص النساء ولكن خمسين امرأة وفتاة صعدن معنا في هذه الرحلة الثقافية والمغامرة الاجتماعية القصيرة .
نعم شاهدنا الفيلم معنا واستمتعنا وبكينا وضحكنا من الواقع الأليم، لم تعج القاعة بالنساء كما حلمت ولكني كنت مسرورة جدًا بمن جاءت ووثقت في عملنا ونوايانا لتحكم كل امرأة بنفسها. فتلك الشابة التي اكتشفت كيف يتحدث الشباب عندما يتواجدون وحدهم عن الفتيات وصدمت من تصرفاتهم باتت تعرف الكثير وتفهم أكثر. اما المرأة التي تعيش في حي المحطة باللد وذاقت هدم البيوت والنفوس بيد الجيش والشرطة والمخدرات بكت بعد قتل احد أبطال الفيلم، وتذكرت أنها عادت للتو من بيت عزاء شاب قتل البارحة فعلا في اللد برصاص ملثم .
اما انا فقد سرحت في عتمة العرض وراقبت وجوه البنات الصغيرات وانفعالهن من بطلة الفيلم وموقفها، وتذكرت جولتي الأوروبية القصيرة قبل ايام هناك بالإضافة للجو النقي والخضار اللامتناهي على مد النظر، الحالة النفسية للشعب هناك مختلفة تماما،  حيث تسيطر ثقافة هدوء الأعصاب واللطف والتعامل اللبق جدًا مع الفرد واحترام الآخر لأبعد الحدود، لحد يوجع امرأة شرق أوسطية مثلي، لا يحافظ على خصوصيتها رجل في طابور السوبر ماركت، ويسبها سائق عصبي في الشارة الضوئية وتبكي بعد ثلاثة أشهر من الولادة لأنها لا تريد العودة للعمل وإيداع طفلها في الحضانة بل تريد رعايته لسنتين كاملتين دون المس بحقوقها ومعاشها من العمل كما تفعل نساء سويسرا والدنمرك وهولندا .
للحظات فقدت ثقتي بعروبتي وحضارتي وثقافتي، وسألت نفسي كيف يعيش هؤلاء الأجانب بلا هموم حقيقية ويتجوّلون بجانب البحيرة الوادعة التي يسبح فيها الإوز باطمئنان ألا يتلقون تهديدا اذا شاهدوا فيلما؟ لا بد ان للدين في حياتهم مكانا ما، خاصة ان أجراس الكنائس كل يوم لا تترك للنائم مفرا من سماعها.
 قمت بزيارة كليات وجامعات ومراكز للأديان متعددة بنيت فيه معابد لكل الأديان في مدينة بيرن  منها الإسلامية والطوائف المسيحية المختلفة حظيت بمكان لها كما الهندوسية والبوذية وغيرها، أعطت كل مجموعة الحق والمال طبعا لبناء مكانها الديني حسب إيمانها ومعتقداتها. ولكن قاعة السينما الخشبية الرائعة كانت للجميع. بعد بحث انتربولوجي دام أياما بسيطة وصلت للاستنتاج ان رفاه الإنسان في هذا البلد وُضع في سلم أولويات السياسيين في كل مجالات الحياة، تقدس هذه الدولة الإنسان ورغباته وحرياته والمساواة بين البشر لحد لا نعرف طعمه نحن هنا كمواطنين فلسطينيين يحكمنا أولاد عمومتنا.
 نعيش هنا تحت وقع الصدمات المتكررة والمتتالية وبتنا نقبل كل أحكام وقوانين التمييز والفوقية التي أعطتها هذه الدولة لليهود على حساب أهل البلد . في سويسرا لا يجرؤ أي حاكم ان يخطو او يقرر اي سياسة جديدة دون الرجوع للشعب، "نصوت هنا على كل شيء"  قالوا لي، وماذا يحدث للأقلية مثل السويسريين من الطرف الفرنسي او المهاجرين الأتراك والعرب والهنود؟ انهم أقلية ولن يتمكنوا أبدا من الحصول على أغلبية الأصوات!، فجاء الجواب سريعا "طبعا نعرف ذلك، ولكن بعد كل تصويت نفحص ماذا صوتت الأقلية وندرس النتائج جيدا ونعدل القرار وفقا لتوجهاتهم ورغباتهم، قدر الإمكان، فالديمقراطية تحتم علينا ان نحافظ على رأي الأقلية والتعامل معه باحترام واهتمام وتغيير القوانين بحيث تلائمهم أيضا."
وجدت أيضا ان الدولة ورغم جباية ضرائب عالية نسبيا من العامل ولكنها تتحمل مسؤولية كاملة عن التعليم والصحة والتعليم الأكاديمي والسكن بالإضافة لهذا كله الثقافة والفن والرياضة، لا يجوع احد هنا ومن لا يستطيع العمل تساعده أجهزة الدعم الحكومي إلى ابعد الحدود  .
 قالت لي عاملة اجتماعية في مدرسة مهاجرين "إذا كان هذا الطفل تعيسًا فان أصدقاءه أيضا تعساء ولن يلعبوا كما يجب بالساحة، ولن نكتشف موهبته الموسيقية  او الفنية وستخسر سويسرا ميدالية ذهبية في الاولمبيادة يوما ما، وستتقلص فرصه للتفوق الدراسي وقد لا يصبح عالما او مخترعا، هذا مشروع مواطن ناجح ومنتج ولا يهم ما هي ديانته او لون بشرته، هو هنا  ونحن مسئولون عنه ".
 باختصار وصلت لقناعة تامة ان الوضع السياسي والصراعات بين الأقليات والمجموعات المختلفة تودي بحياة الإنسان الى مكان مظلم. لا يتفوق علينا السويسريون بالذكاء والتفكير ربما بالتخطيط قليلًا، بل هم لا يملكون حربا ينشغلون بها، ولا يصارعون للبقاء يوما بعد يوم  يوضع الدين في مكان محترم جدًا في حياة الفرد وليس المجتمع، ودولتهم  تريدهم وتحبهم وتؤمن بقدراتهم وتقدس حقوقهم. فأعطوني خمسين عاما من الاستقرار السياسي وسوف أعطيكم سويسرا عربية. وسوف نذهب سويا رجالا ونساء لعرض فيلم عن اللد الرائعة في  قاعة جورج حبش للثقافة والفنون، وسنتجول مع أطفالنا في متحف مي زيادة للفنون الجميلة . وسننهي رحلتنا الثقافية الحضارية هذه في جولة رومانسية على شواطئ يافا الدافئة وأعلام وطننا ترفرف فوق قوارب الصيد في البحر. 
قد يهمّكم أيضا..
featured

سموم الخطاب القومجي العسكرتاري

featured

حقوق العمال في إيران – ليس بواسطة الحرب

featured

"يوم استقلالهم يوم نكبتنا"

featured

هل الغارة الجويّة العدوانيّة على سوريّة جاءت عقب استحقاقات إسرائيليّة داخليّة؟

featured

ثقافة الانتخابات والعودة الى البيت

featured

أحمق من أوباما وزعانفه!

featured

إذا كان العطاءُ نعمةً فالوفاء فضيلةٌ

featured

تحوّلات بعضها نحو الايجابي