يوم استقلت إسرائيل كانت نكبة شعب فلسطين. يوم انتصرت جيوش الهاغانا والبلماح وغيرها في حرب لم تحصل، لكنها شبهت لنا ولهم، بانت الخدعة وتكشَّفت الخيانة.
الحركة الصهيونية خططت وحلمت أن تقيم كياناً يهودياً خالياً من أصحاب الأرض الأصليين، فهي أشاعت أن فلسطين أرض بلا بشر، وأنها تمثل شعباً بلا أرض، وفلسطين هي إرثهم الموعود، فرب الكون أعلاهم على شعوب الأرض وخصص لهم فلسطين أرض الميعاد أرض الآباء والأجداد. أعلن بن غوريون عن دولة إسرائيل وكان، وآخرين مثله، يعلم أن الحلم، وإن تحقق، لم يكتمل، وإن من بقي من أصحاب الأرض الأصليين أفسدوا على حركته كمال الحلم، ففي إسرائيل المعلنة بقيت أقلية صغيرة العدد، لكنها حتماً ستكون الشاهد والبرهان على زيف ما أشاعوا وما ادعوا.
بقي من بقي من أهل فلسطين لأنهم لم يصدقوا ما انهال عليهم من وعود جيوش عربية ائتمرت بأوامر ملوك وأمراء كانوا جزءًا من المؤامرة وشركاء في الغنائم الموعودة، ولأنهم كذلك لم يرهبوا بفظائع انتشرت أخبارها من دير ياسين إلى الطنطورة إلى عيلبون وغيرها. بقوا لأنهم أصغوا إلى قياديين أجادوا قراءة الحاصل في حينه واستشرفوا مستقبلاً أصروا أن تبقى مفاتيحه بين أيديهم وأن لا تسلم لغريب متخاذل.
لم يحاول الآباء المؤسسون لهذه الدولة استيعاب من بقي من أصحاب البيت والأرض، فعنصرية الحركة الصهيونية وما قامت عليه من فكر وبرامج لا تبقي مكاناً لآخر ولا لشريك، لاسيما وإن كان هذا الآخر هو الضحية والمنكوب.
كل الجهود انصبت وكل الخطط، المكتومة منها والمكشوفة، ركزت على إذابة هوية من بقي في وطنه ومحوها، وفي سبيل ذلك برَّرت الغاية كل وسيلة.
لم يكتفوا بتعليمنا وفق مناهج تعليمية أعدت بحذر ودراية، استهدفت إرثنا الثقافي وتاريخنا، فأمسينا نردد أشعار تشارنيحوفسكي وحاييم نحمان بيالك وأدبيات آحاد عهام وغيرهم وحلَّت "إلى عصفور" "وأنا أومن" و "بيعار بحيديرا" محل أشعار السياب وطوقان وأمثالهما، "وحِكم آبائهم" محل نهج البلاغة وابن خلدون. لم يكتفوا بإبقائنا تحت صلف الحكم العسكري لقرابة عقدين، بل وبعبثية متفردة فرضوا علينا أن نغني في مدارسنا الابتدائية ونشهد أن الطير تغرد في يوم استقلال الدولة لأنه "بيوم استقلال بلادي غرد الطير الشادي وعمت الفرحة البلدان من السهل للوادي".
أولاد كنا في الستينات الأولى، وربما لم نكن بحاجة إلى توجيه حزب وعظة قائد، من أولئك الذين ملأوا ساحات قرانا وبُحوا شاهرين حقيقة ما جرى في يوم الاستقلال/يوم النكبة، لم تكن حاجة لهذا لأننا لم نُحسب يوماً أصحاب حق بالبقاء وحقوق في دولة أرادت أن تغني الطيور الشوادي بيوم استقلالها، وهي كانت بومٌ تنعق على أطلال ما هدم وشظايا عوائل شردت، بعضهم لم يجد حتى خياماً يأوون إليها.
لم يتبلور في كل تلك السنوات موقف جماعي واضح لدى الأقلية العربية الباقية في إسرائيل، وللحقيقة أن بعض الفئات كانت تشارك الدولة فرحتها بالاستقلال، وبعضها كان مكرهاً خائفاً من سطوة انتقام سلطوي يقطع رزقه ورزق أولاده. مع السنين، وفي مسارين متوازيين يكملان بعضهما، بدأت تتبلور معالم النكبة ومعها معالم الضحية التي كانت بعضاً من لاجئين وأصبحت قضية شعب، وتشكلت قضيتنا ورسخت كقضية أقلية قومية تعيش إشكالاً جوهرياً مستديماً مع الدولة.
يسهل اليوم تشخيص القضية وتعريف عوامل التماس والتناقض فيها، ولكني تساءلت دائماً ماذا لو لم تكن الحركة الصهيونية ومن تصدروا مشروعها بمثل تلك العنصرية الشوفينية؟ ماذا لو قبلوا ما افرزه يوم الاستقلال/يوم النكبة وبدل أن يُعملوا فيمن بقي معاول القمع والتهميش ومحو الذاكرة والتاريخ، اعملوا سياسة استيعاب هذه الأقلية وأسرلتها؟ سؤال نظري لا فائدة من التعاطي معه ومحاولة الإجابة عليه، لأننا وبعد ستة عقود نواجه عملياً ذات السؤال الوجودي الأول، سؤال البقاء في أرض الوطن، فساسة إسرائيل اليوم ما زالوا يحلمون بإسرائيل طاهرة صافية نقيه، وما زالوا يعتبروننا أعداء لا يؤتمن جانبنا وعلينا دائماً أن نعيش رهبة وخوف الترحيل والتهجير.
لا أعرف كم من الفئات والعائلات شاركت الدولة فرحتها بيوم الاستقلال/يوم النكبة، ولا أعرف أياً من الطير شدا فرحاً بهذا اليوم، ولكننا نعرف أن آلافاً شاركوا فيما اصطلح على تسميته مسيرة العودة، وكانت هذا العام إلى قرية مسكه المهجرة. شعار المسيرة كان "يوم استقلالهم يوم نكبتنا" سارت وراءه الجموع، ومن يمثلها من قيادات حزبية وشعبية على الرغم من اختلاف مواقفهم السياسية.
باعتقادي لم يرفع هذا الشعار من باب توصيف حدث تاريخي ناجز فهو ككل شعار سياسي من شأنه أن يعكس أيديولوجيا أو موقف/فكرة سياسية عليا، فيأتي الشعار ليختزلها ويعكسها ويتبع ذلك العمل بأساليب وبرامج موضوعة لتحقيقها.
"يوم استقلالهم يوم نكبتنا" شعار اجتمع عليه وسار وراءه آلاف من الجماهير وقيادييها، وهو لذلك يعتبر شعاراً جامعاً موحداً، لكنه برأيي يخلق ضبابية واضحة إزاء كيفية فهمه لدى كل حزب من الأحزاب المشاركة في المسيرة، خاصة فيما يتعلق بمواضيع ومواقف أساسية إزاء الواقع السياسي القائم ومستقبل حل وتسوية المسألة الفلسطينية الإسرائيلية، لاسيما الاتفاق أو الاختلاف على تعريف ما أسماه الشعار استقلالهم وما ترتب على ذلك من نتائج وتبعات.
كانت الجماهير بحاجة إلى شعار يجمع ولا يفرق، وذلك لأهمية الحدث وما يحمله من معان على مستوى المجموع، إلا أن ذلك لا يعفي قياديي الأحزاب وهيئاتها من العمل وتوضيح مواقفها إزاء ما يحمله هذا الشعار من معان واحتمالات سياسية مختلفة ومتناقضة بشكل جوهري.
ضبابية الشعار، واحتمال صرفه في عدة طروحات سياسية، يستدعي قيادات الأحزاب التي تحترم داعميها و مصّوتيها إلى تبيان موقفها الحزبي المعلن إزاءه وإزاء ما يعنيه، فهكذا يكون الاحترام الصحيح بين الحزب، كل حزب، وبين ناخبيه، إلا إذا كان القصد منه إشهارياً وعلى سبيل توصيف حدث تاريخيٍ حصل.
