ما يلوح في الأفق.. وما يُحاك من مخططات سلطوية مشبوهة

single

يبدو من القراءة الأولى، ان حليمة عادت لعادتها القديمة، التي أثبتت فشلها على ارض الواقع، حين تفكر السلطة مرة اخرى، بإعادة كرة الدمج الفاشلة والمرفوضة والمكروه شعبيا وخدماتيا واداريا، الى سلطاتنا المحلية، إلا لأهداف في نفوس المسؤولين انفسهم، في كل مرة تحاول السلطة ان تظهر بمظهر الأناقة في طرحها للأمور من زوايا معينة مثل التجديد والنجاعة في العمل والتوزيع العادل للمداخيل والتساوي بين البلدات الفقيرة وأخرى العالية وغيرها من التسميات الواهية لتسويق بعضها وبرامجها وأهدافها العلنية المستترة والسرية، هذه المرة، اطل مدير عام وزارة الداخلية مردخاي كوهين، عن نية وزارته تعيين لجان حكومية لدمج سلطات محلية (اكثريتها عربية) وإعادة تغيير الحدود ومناطق النفوذ وتقسيم المدخولات وغيره، وفي سبيل ذلك قام حضرته بتوجيهه رسائل الى (46) سلطة محلية تندرج ضمن مخططه، أغلبيتها تقع في منطقة الجليل الأعلى والغربي والساحل.
السؤال التالي الصريح، لماذا تحاول وزارة الداخلية فرض هذا المخطط على مجالسنا وبلدياتنا المنتخبة، ولا تحاول ان تحاورهم دمقراطيا وبالإقناع والتفاهم والحوار الموضوعي في اخذ موافقتهم الضرورية في قضايا تهمهم جميعا، أليس الأجدر والأنجع والدمقراطي للوزارة نفسها والبلديات والمواطنين عامة، ان تقوم وزارة الداخلية بطرح هذا المخطط والمشروع البلدي عن طريق استفتاء وبمشاركة السلطة المحلية والمواطن، لماذا لا يعطي الحق في القبول والرفض للمجالس المنتخبة وللمواطنين أنفسهم لإبداء الرأي وطرح الأفكار وإشراك الناس في موضوع يتعلق بمصالحها وتطورها في كافة المجالات؟. واجب وزارة الداخلية ان تُرسل عنها لجان عمل ومندوبين لفحص الموضوع إداريا وشعبيا واقتصاديا ودمقراطيا وأخلاقيا مع اصحاب الشأن وليس الحديث معهم بلغة الفرض، ان استمزاج مواقف المواطنين وآرائهم هو عمل أخلاقي وتوعوي وتربوي في الدرجة الأولى، ان اجراء عملية احصاء وعلى ضوء النتائج تتصرف الوزارة نفسها ومديرها مردخاي كوهين.
على ما يبدو ان السلطة ووزارة الداخلية، يضربان عرض الحائط بالمفاهيم الدمقراطية وحقوق المواطنين وآراء الناس عامة، ولا يتعلمان من التجربة والتجارب السابقة في موضوع الدمج وإلغاء استقلالية عمل كل سلطة محلية او بلدية. في السنوات الأخيرة السابقة قامت بدمج سلطات محلية وبلدية في سلطة محلية واحدة، كما حصل مع دير الأسد والبعنة ومجد الكروم وأسمتها بلدية الشاغور، ثم تفككت فيما بعد بسنوات قليلة، وبقرار من الداخلية نفسها، لأن الفشل الإداري والمالي وعدم رؤية الواقع الموضوعي لكل بلد على حدة، ودون اخذ موافقة الأهالي انفسهم، أدى الى انهيار وتصدع وفشل التجربة كليا. وكذلك تجربة باقة الغربية وجت المثلث، والدالية وعسفيا، فقد حاول فرض نفس الشيء مع اربعة قرى ابو سنان وكفر ياسيف ويركا وجولس، لكن المشروع أحبط من اساسه بفضل يقظة الأهالي وفي مقدمتهم الحزب الشيوعي والجبهة وسائر المخلصين والحريصين على مستقبل قراهم وتطورها للمراحل المقبلة، فيما كانوا قد أعدوا الإسم لمثل هذه البلدية باسم "جايَ"، لكن الجماهير رفضتها من الأساس. ثم فرض الدمج على قريتي جديدة والمكر قبل اكثر من عشرين عاما، فيما يأن ويرزح المواطنون تحت طائلة الفشل الإداري والمالي وبضرب العنف والجريمة كل مرافق الحياة في البلدتين المتجاورتين.
ليس في نيّة الوزارة ما يوحي بأن التجربة السابقة من مخطط او مشروع دمج السلطات المحلية، كان مفيدا وناجحا ومزدهرا، وإنما العكس هو الصحيح، ولأن هذه التجربة كانت غير مدروسة ومطروحة شعبيا وجماهيريا، أدت الى الانهيار والفشل الذريع في معظم السلطات المحلية الذي جرى دمجها في حينه.
اذًا لماذا تصر وزارة الداخلية ادراج الموضوع مجددا وبكل إصرار وقوة، ضاربين بعرض الحائط التجربة الفاشلة السابقة، وإعادة حل الدمج واحترام سيادة واستقلالية كل سلطة وبلدة على حدا؟
ان ما يلوح في افق وزارة الداخلية والسلطة عامة، هو امر خطير جدا على مستقبل مجالسنا وتطور جماهيرنا ومواطنينا، من استباحة مناطق نفوذها وميزانياتها الشحيحة أصلا، وهذا يترك أثره على مجمل الحياة العامة لتطور قرانا وازدهارها، فهي على وشك حل مجلس محلي جديدة – المكر بعد فشل إقرار الميزانية للمرة الأخيرة. ان ما تحيكه الداخلية الآن ضمن مخططها المطروح، والذي يستبق الانتخابات البلدية المزمع اجراؤها في اواخر العام القادم (أي بعد حوالي سنة من الآن) من ان رؤية وزارة الداخلية من وراء مشروعها المطروح، هو اولا التخلص الكمي من عشرات المجالس المحلية كهم وعبء مالي واداري ومسؤولية مباشرة، والعبث بما تملكه هذه المجالس من قلة احتياطي الأرض المتبقي لهم، بعد غول المصادرة الذي استحوذ على الغالبية الساحقة من الأرض العربية وأقام عليها البلديات والمنشآت الصناعية والمستوطنات مثل كرميئيل وتيفن وغيرها على مدار عشرات السنين المنصرمة، وعلى ما يبدو وما يقلق السلطة ووزارة الداخلية قيام بعض القيادات والرؤساء وإدارات بعض المجالس والبلديات، بعملية التخطيط السليم والإدارة الحكيمة والمهنية، ونشوء وتبلور الوعي الاجتماعي والوطني، في الكثير من قيادات مجالسنا المحلية وما تشهده بعض قرانا من ثورة عمرانية وتربوية وثقافية، أدت وتؤدي بالضرورة بالنهوض العام للإنسان والمواطن العربي، على ارض بلده ووطنه، بالرغم من استشراس العنف الذي اصبح مصدره معروف لدى الكثير من قيادات جماهيرنا العربية وسلطاتنا المحلية.
ان اتساع وتطور ونمو الوزن الكمي والنوعي والطبيعي لجماهيرنا العربية في مجالات عدة ومتنوعة، خاصة في المجال العلمي والأكاديمي والمعرفي، والنهوض بالكوادر العلمية المهنية المتخصصة في مجالات متشعبة، قد ساعدت على نمو وازدهار وتطور الجماهير العربية وتحولها الى قوة سياسية دمقراطية، لها الأثر الكبير في قلب حسابات المؤسسة الحاكمة، ومحاولة التأثير على مجمل السياسة العامة في البلاد، وفي مجمل الخارطة السياسية، وقد رأينا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة ومحاولة المؤسسة وأحزابها المختلفة والمعادية بأغلبيتها الساحقة لوحدة جماهيرنا وحقوقها اليومية والقومية من التوحد السياسي والانتخابي، لكن ارادة ووعي الناخب العربي واليهودي الحر الدمقراطي، ان استطاعة الجماهير العربية من خوض المعركة بقائمة انتخابية واحدة، هي القائمة المشتركة كأكبر اتجار سياسي وحدوي، وقد حصدت حتى الآن عشرة مقعدا لأول مرة في تاريخ البرلمان الاسرائيلي.
فيما تأتي اليوم وزارة الداخلية، بدل تسهيل الأمور المعيشية وتشجيع الاستثمار الداخلي واستيعاب مئات الكوادر العلمية في مختلف التخصصات، والعمل على دفع الملاكات وتحسين الخدمات وزيادة الميزانيات والصرف على ما يساعد على تقدم ورقي المواطن، فيما تصرف الملايين على الاحتلال العسكري والمستوطنات وغيره، نراها تسعى الى تعميق ازمة الحكم المحلي وخاصة العربية منها، وهذا يؤدي بالضرورة الى تعميق أزمة الخدمات والاستحقاقات وغيرها، فيما يسبب ازمة وحالة اجتماعية مستعصية للمواطن بشكل عام وللعربي بشكل خاص.
ثم تستهدف وزارة الداخلية بمشروعها الاقصائي "الدمج"، كمخطط بعيد المدى بهدف ضرب الحكم المحلي وتقويض أركانه، ومحاولة منها لتفسيخ وضرب الاطار القطري والكفاحي لوحدة المجالس العربية في لجنة الرؤساء القطري، واستقلاليتها ووحدتها في الدفاع عن أراضيها ومناطق نفوذها.
ان واجب سلطاتنا المحلية، رؤساء وأعضاء وإدارات بتجنيد المواطنين، كذلك الأحزاب السياسية على افشلا مخطط وزارة الداخلية بحل العديد من المجالس ضمن خطة الدمج المرفوضة بلديا وشعبيا والذي يلغي الشخصية المستقلة لكل بلد ومجلس.



(كويكات – ابو سنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

أمراض فرط الكريات البيض

featured

"عارنا في ليبيا "

featured

"الاتحاد" ذاكرة وتاريخ

featured

أحدث تجلِّيات الارهاب في أوساط يهودية

featured

التضامن العربي الصادق الفعال لا استغناء عنه كسلاح هام في معركة تحقيق السلام العادل المنشود

featured

لن ندع الاحتلال يستمر 50 عاما اخرى

featured

عولمة العصر الحديث

featured

المعركة لم تنتهِ وإنما تتجدد باستمرار