عندما نجح الكولونيل القذافي في انقلابه في 1.9.1969 على الملك ادريس السنوسي الذي حكم ليبيا بعد نهاية الاستعمار الايطالي لهذا البلد العربي كنا صغارا أشقياءً نطارد القطط والكلاب الضالة في حارات القرية ونتوه مع الحساسين والفراشات الملونة التي تنطلق بين الجلنار وزهور الصبار في بساتين القرية الوادعة على هضاب خضراء شماء تنظر نظرة أبدية الى أبعاد الوطن الجميل من رأس الكرمل الى رأس الناقورة . كانت روح الأمة تعيش حينها مدا ثوريا جارفا بعد انتصار ثورة يوليو بقيادة الخالد جمال عبد الناصر ونجاحها في فرض وجودها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي على العالم كله ،خاصة بعد أن أممت قناة السويس وبنت السد العالي في أسوان ومئات المصانع وخاصة مصانع الحديد والصلب في حلوان. كان عبد الناصر يقود بفخر وبقدرة العالم الثالث أو ما عرف حينها بعالم عدم الانحياز أو القوة الثالثة بعد الغرب الاستعماري والمنظومة الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي. ذاك العالم الجديد الذي ظهر مرافقا الثورة المصرية ومسيرة قائدها. ظهر ذاك العالم على الساحة العالمية السياسية والاقتصادية بقوة فاعلة وشَملَ في تكوينه معظم الدول الأفريقية والأسيوية ودول أمريكيا الجنوبية التي لفظت الاستعمار الغربي وبدأت مسيرة تحررية وطنية. عندما نجح الكولونيل القذافي في انقلابه العسكري هللت كل قوى التقدم بالعالم به وخاصة العالم العربي الذي رأى فيه امتدادا لحركة التحرير العالمية و العربية، وانبعاثا آخر لهذه الأمة التي رزحت عقودا طوالا تحت حكم الخلافة العثمانية، ومن ثم الاستعمار الغربي للبلاد العربية وخاصة بعد اكتشاف النفط في الوطن العربي الذي أصبح وقودا متفردا ومتميزا وأساسيا لحركة الاقتصاد الغربي والعالمي كله، وشرطا أسياسيا أيضا لبقاء الدورة الرأسمالية التي مرت بانتكاسات كبيرة في الثلاثينيات من القرن الفائت خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية . فرحت تلك القوى الوطنية بعد أن سمعت عبد الناصر القائد الثوري الوطني العربي الأهم في العصور الحديثة العربية يخاطب ذاك الكولونيل الشاب الذي برز في ليبيا ويقول له " اني أرى بك استمرارية لي " ولم يكن يحسب ولو في الخيال وفي أعظم تجلياته، أن ذاك الكولونيل الذي ثار على الملكية الفاسدة في ليبيا وعميلة الاستعمار الغربي الذي قاوم وحارب ثورة ناصر سينقلب الى حاكم آخر بائس فاسد وسيكون عارا وأي عار؟؟؟ على جبين الأمة العربية في مسيرة تحريرها، وتحولها الى امة خلاقة حية ومُبدعة شأنها شأن أمم العالم الأخرى في كل مكان من هذا العالم الواسع.
للأسف لم يكن الكولونيل البائس العار الوحيد، بل عندنا اليوم عار في كل العواصم العربية التي لم تصلها بعد شرارة أبي زيد التونسية ولا رياح التغيير الثورية التي تهب على الشرق كله من ميدان التحرير القاهري ، التي ولا شك تخلق في هذه الساعات والدقائق وستخلق ساحات تحرير مماثلة في كل المدن العربية من أقصاها الى أقصاها ولن يفلت منها احد من تلك الأنظمة الفاسدة. لقد "دقت ساعة العمل الثوري لكفاح الأحرار " كما تقول الأغنية الوطنية العربية المشهورة التي لم نسمعها منذ أربعين عاما عجافا مرت على المنطقة العربية بمجملها ،وبالتحديد منذ وفاة عبد الناصر وصعود السادات عميل الاستعمار الغربي الحقيقي الى سدة الحكم في مصر العربية ومن ثم كامب ديفيد وردته الخيانية التي بنظرنا هي احد أهم أسباب هذا الوهن وهذا الضعف العربي في كل مكان تحت الشمس العربية . تلك الردة التي أدت الى انتكاس راية أحرار كل العرب.
في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات بلغنا رشدنا وأصبحنا كغيرنا نهتم بالسياسة وبمجريات الأمور في عالمنا العربي الذي اعتبرناه بحق مقدسا وسيبقى الى الأبد امتدادا لنا أو نحن امتدادا له نفرح فرحه ونحزن حزنه ونعيش أحداثه ساعة بساعة ولحظة بلحظة. بدأ هذا الكولونيل البائس يظهر على حقيقته بعد أن قضى تماما على الدولة الليبية بكل أشكالها وكوَن حكما عائليا قبليا مُتخلفا وبعيدا عن الروح الناصرية التحررية والقومية والثورية التي ادعاها في بدايته والتي كانت ومازالت الطريق الوحيد لخلاص هذ الأمة وبعثها الحقيقي . ألغى ذاك الغبي الرجعي كل شيء في ليبيا يشير من بعيد أو قريب الى الدولة وحتى لو كانت ملكية وسرق من العرب حلم ليبيا الثورية وحلم شعبها وأبقى كل أمور ليبيا الوطنية والقومية والاقتصادية رهنا مطاوعا بين يديه وبين أيادي زبانيته الانتهازية وعائلته التي فاقته في نهب وقتل الشعب الليبي . كانت هذه الانتهازية التي نراها اليوم في مصر وتونس وليبيا أداة مجرمة وفاسدة بحق الشعوب هناك ظُلمها فاق ظلم رؤوس الأنظمة الفاسدة نفسها . نراها تحاول أن تتسلق جذور الثورة الفتية بلا وازع أو رادع من ضمير لتمتص خيراتها كما هي حال العلقات الدنسة الدنيئة. فرحنا لفطنة شباب الثورة وخاصة في مصر لفهمها أصل وفصل هذه الطبقة الفاسدة التي حان وقت عزلها والى الأبد عن مكتسبات الشعوب الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. كان الشباب لهؤلاء الطفيليين بالمرصاد وهذا بحد ذاته عملا ثوريا أساسيا وأمرا على جانب كثير من الأهمية من اجل المحافظة على انجازات هذا العمل الثوري العظيم الحاصل هناك الآن . كانت الطامة الكبرى للعرب وللقوميين والثوريين منهم خصيصا عندما اصدر ذاك الكولونيل المهووس كتابه الأخضر على مشتقاته ، الكتاب الأخضر السياسي والكتاب الأخضر الاجتماعي والثقافي وجعله دستورا مكتوبا للبلاد والعباد هناك ومن ثم شن حملة شرسة على المثقفين الليبيين . شردهم واعتقلهم قبل أن يفضحوا على الملأ فشله وضحالته في كتابه السريالي الفنظازي الذي حاول به تفسير جنونه الاقتصادي والسياسي والفكري . نجح هذا الكولونيل البائس في فرض " ثورة ثقافية " مشابهة لثورة ماوتسي تونغ في الصين في خمسينيات القرن العشرين مع فارق كبير . اذ ان الثورة الثقافية في الصين التي نصبت ماو الها وكتبه دستورا مُنزلا اعتمدت كثيرا على النظرية الماركسية التي فسرت العالم جدليا وفسرت التحول الثوري بصورة علمية مع الأخذ بعين الاعتبار أن تطبيق تلك الثورة في الصين كان كارثيا سرعان ما لفظها الشعب الصيني العظيم الذي بات يحلق اليوم في أعلى آفاق العالم الاقتصادية والسياسية والثقافية في كل مكان. ثورة الكولونيل الثقافية المكتوبة ببؤس ليس له مثيل في كتابه الأخضر البائس مثل حالـه البائسة المجرمة التي ظهرت بفظاعة ووضاعة وخبث وجنون صارخ وبعقل مجرم مريض الآن وهو يبيد مواطنيه الليبيين بالطائرات والدبابات ، لم تعتمد على أية نظرية ولم تخلق أية نظرية علمية قابلة للفكر وللبحث . لم يطابقه في جنونه وفي هذا النوع من الجنو- سايد الذي يمارسه الآن ضد شعبه في ليبيا الا ديكتاتور اسبانيا فرانكو عام 1936 عندما قصف شعبه أيضا بالطائرات وكانت مجزرة مدينة غرانيكا التي خلدها الرسام المشهور بيكاسو في احدى روائعه الجدارية هناك . كلامه في كتابه الأخضر جاء خائبا مليئا بالمفارقات العجيبة التي لا تخرج عن عقل بشري واع سويٍّ بل صدرت عن شخصية ولا شك
انفصامية مأزومة غير واعية وبليدة وبعيدة عن الحدث الثوري الانساني السويٍّ . وقد أثبتت الأحداث الجارية منذ ثلاثة أسابيع في ليبيا العربية أن القذافي لم يكن ولن يكون شخصية ثورية بل اخرى انهزامية قبلية عائلية بامتياز ،وأن اصطحاب خيمة البدو والجمال في رحلاته الى العالم المتنور لم تكن عن تواضع او تمسك بالأصول العربية البدوية الأصيلة والنبيلة بل دلت بصراحة عن شخصية وضيعة غير مثقفة تعيش وتموت بين كثبان الرمال كالضباع والثعالب في الصحراء العربية الليبية.
يبدو هذا الكولونيل البائس الذي لم يعد أحد في هذا العالم يكاتبه شبيه لحد التطابق بتلك الشخصية التي أبدعها غابرئيل غارسيا مركيز في رائعته "لم يعد للكولونيل أحد يكاتبه" مع الفارق الوحيد أن كولونيل ماركيز اعتزل ولم يكن مجرما بحق شعبه الى هذه الدرجة من الاجرام. عاش أمجاده الفانية وجنونه وهلوسته وحيدا منعزلا ولم يكن سفاحا مثل هذا الكولونيل العربي الذي أصبح عارا على العسكرية العربية التي تألقت في تونس ومصر وعارا على تاريخ الأمة كلها وجب محوه الآن من هذا التاريخ المشرف لهذه الأمة الذي يكتبُ في هذه اللحظة بالدم وبالعرق في ميادين وساحات العالم العربي على كل انبساطه الجغرافي والبشري. استوحينا عنوان المقالة من الكاتب والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الذي كتب عام 1964 رائعته " عارنا في الجزائر " وحاول فيها تأليب ضمير العالم ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر وفضح جرائمه البشعة ضد شعب الجزائر الذي دفع ثمنا باهظا ثمن حريته لم يدفعها شعب طالب الحرية من قبله.
سارتر الفيلسوف الوجودي بامتياز والكاتب التقدمي اليساري الانساني رفض جائزة نوبل للآداب عام 1964 وبرر رفضه بها بالمجازر التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في مدينة صطيف الجزائرية ومذبحة القصبة الشهيرة في قلب العاصمة الجزائرية ذاك العام التي راح ضحيتها أكثر من ستة آلاف من المواطنين الجزائريين في يوم واحد وفي مكان واحد. أوجد هذا "الزعيم" المخبول اللجان الشعبية والكتائب العسكرية العائلية بعد أن قضى على أسس الجيش الوطني الليبي الذي بدأ يتبلور بعد نهاية الاستعمار وقضى على الحياة المدنية بكل أشكالها لشعب ليبيا مدة 42 عاما والتي كانت كما يظهر للعالم بأسره اليوم مرهونة بالظلم وبالبؤس والهوان .
اوجد نظاما عائليا بامتياز. عمل كل تلك الفترة الحزينة من تاريخ الشعب الليبي على سرقة أموال الشعب وتحويلها الى أغراض عبثية هدامة ومجرمة بانت على حقيقتها اليوم بتلك الجحافل المرتزقة من أفريقيا التي تبيد وتقتل وتنتهك حرمات الشعب الليبي على مرأى العالم ومسمعه. ذاك الشعب العربي المناضل الذي انجب المجاهد العربي الأول في تاريخ الامة في العصر الحديث عمر المختار الذي حارب قوات الاستعمار الايطالي لليبيا منذ دخولها حتى عام 1931 . قاد المختار الشعب الليبي البطل ضد القوات الغازية في 263 معركة ناجحة حتى سقط أسيرا ولم يخنع بل قال لجلاده وحبل المشنقة على رقبته جملته التي أصبحت الآن وقودا ملتهبا لثورة الشعب العربي الليبي ضد هذا الديكتاتور الرهيب التي لابد لها أن تنتصر رغم كل التضحيات " نحن لا نستسلم .. نموت أو ننتصر" . الشعب الليبي يدفع ضريبة حريته الآن في هذه الساعات انهارا من الدم وجبالا من الأشلاء من اجل لفظ نظام الكولونيل المسعور ودحره الى مزبلة التاريخ مثل الذين سبقوه الى مكب النفايات خارج العام العربي الحر . الثورة العربية لم تعد حلما بل أصبحت واقعا زاحفا من الشرق ومن الغرب وفي كل بلد عربي وستصل الى أوكار كل الحكام ، الأصنام العرب البائسين الذين أكل عليهم الدهر وشرب و حانت ساعة أفولهم عن المشهد العربي الثوري الشبابي الراهن الواعد الذي انطلق من سيدي أبو زيد ولن يقف الا بعد أن تتحرر الشعوب العربية وتبدأ مسيرة التحرر وترجع الى وعيها المفقود عشرات السنين . الناظر اليوم الى المشهد العربي يرى بوضوح وبدون أدنى شك أن تلك الشعوب قد عادت الى وعيها ولن تفقده مرة ثانية ولن تقبل الا بحياة حرة كريمة وعدالة اجتماعية وحرية عامة وفردية تدل عليها قوانين وتشريعات البشر المتنورين . زحف تلك الشعوب ربما يطول أو يقصر ولكن شعاع الثورة قد أنار أمامها الطريق التي كانت مظلمة قرونا وعقودا طوالا . تلك الشعوب لن تعود مرة ثانية الى الوراء مهما كانت التضحيات والخسائر فهي في طريقها الى الحرية والانعتاق الى آفاق أكثر عدلا وتقدما. لا بد للغد الزاهر ان ينتظر هذه الشعوب في نهاية الطريق الصعب الطويل ولا بد أن تعود كل الحقوق والثروات العربية الي الجموع العربية الفقيرة المعدمة التي تعاني شظف العيش في كل الأمصار والأقطار العربية وحتى تلك الأقطار الغنية منها حيث الانظمة الفاسدة هناك مازالت تسرق أموال النفط العربي الذي هو حق وملك للشعوب العربية كلها وتوغل في الفساد الاجتماعي والأخلاقي. يمكننا القول ان الشعوب العربية الآن تقود معركة الخلاص الثوري وأنها باتت على أبواب مرحلة جديدة بعد الاستعمار الغربي وبعد مرحلة " الأنظمة الوطنية العربية " تلك الأنظمة الظالمة البائسة التي تصارع الآن من اجل بقائها والتي نعتبرها الخطر الأكبر والطاغوت الأخطر في تاريخ العرب كله. تثبت الأحداث أن تلك الأنظمة أجرمت بحق الشعوب العربية وفسقت وباعت كل غال ورخيص وحان وقت رحيلها الآن وفي هذه الساعة وليس غدا والى الأبد والى مزبلة التاريخ العربي.
(شفاعمرو)
