السلام عليك يا ولدي، وفلذة كبدي. السلام عليك هناك في عنان السماء خلف ضباب الأبدية. خلف ستارة العالم السرمدية. السلام عليك هناك في أحضان أمنا الأرض. السلام عليك وأنت تسكن عيون السماء في عليين.
بالأمس في السادس من أيار أشرقت شمس العام السادس والعشرين لمقدمك إلينا هبة من رب العالمين.
بالأمس يا أسيل صليت الفجر وذهبت إلى هناك إلى شجرة الزيتون في أرض المل، وانتظرتك لتأتي مع إشراقة الشمس، وتنساب من بين أجفان الفجر وضفائر الضوء، لكن الفجر كان روتينيا وضفائر الضوء كانت مبعثرة تحمل كدمات العناء والقهر في هذا العالم.
شعرت بخوف يعتري جسدي ويحبس أنفاسي ولا ادري لماذا؟ لا ادري لماذا أخاف في يوم كيوم ميلادك. اعترتني الحيرة وبعض من خلجات الألم.. لكن عرفت يا ولدي عرفت لماذا. إنه خوف على كل مولود يأتي في مثل هذه اللحظات وهو لا يدري ما ينتظره في هذا العالم المجنون. تساءلت ترى أي مصير ينتظر هؤلاء الأبناء القادمين إلينا في هذه اللحظات. خنقتني الغصة والدموع إلى حد الاختناق وهمست بيني وبين نفسي إلى متى هذا الضياع؟ إلى متى يبقى هذا الشعب ينزف في صمت؟ إلى متى نبقى نقاد إلى المقصلة كالأغنام؟ أشفقت على نفسي وأشفقت على كل الآباء والأمهات والأخوة والأخوات من أبناء هذا الشعب. بالألم ولدنا وبالعرق نمونا وتربينا. وببساطة يستل الجلاد رصاصة ليقتلنا لأننا في عرفه لا نستحق الحياة.
يا أيها الآباء والأمهات أبناؤكم ليسوا لكم. أبناؤكم أبناء الحياة. يا أيها الآباء والأمهات في هذا الوطن. لملموا باقات حبكم وآلامكم وزينوا بها هاماتكم وصدوركم. نحن أبناء الحياة. لكن الأكفان تسير معنا والى جانبنا كظلنا. ما بأيدينا نصنع أفراحنا ولا بأيدينا نصنع أكفاننا لأن أفراحنا مسجونة معلقة على جنبات أكفاننا.
يا أسيل طال سفرك. الأيام ربيع أو صيف أو خريف أو شتاء. الأيام عندنا مزيج من كل هذا. لكن يغلب عليها طابع الخريف والشتاء. فأين أنت على صدر أية غمامة تنام. أنت على أجنحة أي كوكب حللت؟ أنا في لهفة إليك. نار الشوق يا ولدي .ثاكل كل كياني. ليتك تخبرني متى تعود حتى لو أتى الخبر مع ضباب الأحلام.
يا أسيل براني الألم لكني ما زلت انتظر.هكذا كان الوعد والعهد بيننا وأنت لا تخلف الميعاد.
يا أسيل لن أبالغ إن قلت إن رحلتكم انتم الشهداء من فلسطين إلى العراق أصبحت أبدية، وإن رحيلكم إزلي.
يا أسيل أنتم الشهداء كان يجب أن يملأ عطاؤكم الدنيا حراكا وبناء. لكنكم يا ولدي لم تتركوا بنائين خلفكم ولم تتركوا حتى حراثين بعدكم. لقد تركتم كل شيء فسارت الأشياء أشلاء. الشهداء معلمون أوفياء لكننا طلاب أغبياء.
يا أسيل إني أخاف إن حزمت أشيائي وطويت أسفاري في رحلة إليك أخاف يا ولدي أن يسقط اللواء وتطوى الوصية إلى يوم اللقاء مع رب العالمين.
عدت من أرض المل مثقلا بالألم والغضب والأمل فوجدت في ساحة البيت ثلة من أصدقائك وأترابك وعلى رأسهم معلمك أبو المجد الذي يحمل لك كل المحبه والوفاء. جلسنا حول الطاولة تحت ظل الشهداء نستذكر جلسات كانت تجمعنا معك. ننظر إلى ابتسامتك وكل واحد منا يحاول أن يشركك معه في شيء. خاطرة، حادثة وما إلى ذالك. ويدور حديث كثير عن التحصيل العلمي. فأترابك منهم من تخرج ومنهم على وشك بناء عش الزوجية. والبعض الآخر من أترابك الذي لم يأت وقد شغلته متاعب الحياة وهمومها. لكنهم اتصلوا وشاركوا من بعيد بيوم ميلادك.
يا أسيل نردين وضعت مولودا أسمته طيّب. ملائكي الطلعه، شقي وذكي. أصبحت طبيبة ناجحة. أما سوار فهي تكابد من اجل شق طريقها في هذا العالم الشائك رغم الجراح والألم. أما براء فصار شابا، وهو الآخر أمام الخيار الصعب، لكنا وبفضل الله وتوفيق منه وبإصرار منا فقد تغلبنا حاليا على كافة المصاعب. أما أمك جميله أم البيت وعماده فهي ما زالت تحمل كل أشيائك في خاطرها وتحمل اسمك وذكراك في ضميرها وعقلها وقلبها. هي الأم الصابرة المضحية إلى حد التفاني.
يا أسيل السلام عليك من كل الأحبة. أنت في القلب والى أبد الآبدين.
والدك المشتاق
