التضامن العربي الفعال هو الذي يقوم على اساس متين من الشعور القومي العربي الصادق وغير المتذيل وغير الموالي للدول الامبريالية ، وهو الهادف لتعزيز الصمود وليس لتعزيز سياسة الاستسلام وتمريرها . فان مصطلح التضامن يعني التعاون والتساند والمساعدة الفورية عندما تدعو الحاجة لذلك، انطلاقا من الروابط والوشائج المشتركة المستندة في منطلقها على مبدأ وحدة الامة العربية ، الذي يعكس وحدة الشعور القومي العربي والاحساس بوحدة المصير والمصلحة الواحدة في النضال المشترك ضد اعداء الامة ومعوّقات تقدمها .
ومصطلح التضامن العربي في الاستخدام الواقعي يرمز الى مفهومين منفصلين قلّما ينسجمان ويتحدان . فما ذكرته في التعريف الاول مختلف عن المفهوم الثاني الذي هو السائد في فكر وممارسة الغالبية الساحقة من الحكام العرب للاسف الشديد . حيث هو مفهوم الانظمة العربية حاليا وينطلق من واقع السيادة السياسية القطرية والمصالح الذاتية للسلطات الحاكمة في الاقطار العربية . وليس من الشعور بضرورة توفير مستلزمات النجاح لصالح الامة العربية ومصلحتها القومية العليا .
وقد تجسد الخلاف بين المفهومين منذ انشاء ( جامعة الدول العربية ) على الاسس التي اسهمت للاسف الشديد بتصليب جدران التجزئة العربية فلم يعد التضامن العربي بوابة العبور لتحقيق الوحدة العربية ، بل بديلاً عنها . وقد اثبت هذا التضامن فشله التام ، حيث شكل ستارا لأتباع كل نظام ، خطة خاصة به ، ملائمة لأهدافه الضيقة ، الأمر الذي اضعف الصف العربي ، وادى منذ حرب فلسطين عام 1948 للفشل تلو الفشل في مواجهة الاطماع الصهيونية التوسعية ، وفي عدم تبديل سياسة الانظمة الامبريالية الحاضنة باستمرار لاهداف حكام اسرائيل ولسياستهم المجهضة لتحقيق سلام عادل منسجم مع الشرعية الدولية ، ومتوافق مع مبادئ وقرارات منظمة الأمم المتحدة .
نعم لقد اثبت التضامن العربي الذي هو ليس مدخلاً للوحدة العربية ، بل بديلاً نظاميا عنها، انه كان ولا يزال ستارا لأتباع كل نظام عربي خطته الخاصة واهدافه الضيقة القطرية . وهذا اضعف الصف العربي وادى الى فشل العرب في تحقيق نهوضهم المطلوب ، وفي اتساع مساحة الكارثة القومية .
وسابقا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ، اشتد ساعد النضال العربي الشعبي . وارتفع مستوى التضامن العربي الجماهيري . فخاض الشعب العربي في اقطار عربية عديدة معارك سياسية ضد حلف بغداد الذي اشتركت فيه عدة دول شرق اوسطية تحت قيادة بريطانية ، وضد مشروع الرئيس الامريكي ايزنهاور لاحتواء الدول العربية عامة وجعلها حليفة للولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو، وضد سياسة عدم الانحياز التي تبناها الرئيس عبد الناصر وعدد من قادة الدول في آسيا وافريقيا .
هذا وساندت الجماهير العربية في الدول العربية الشقيقة مصر، في تصديها ومقاومتها للعدوان الثلاثي البريطاني والفرنسي الذي شاركت فيه اسرائيل ، والذي جاء ردا على تأميم مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر لقناة السويس في عام 1956 .
كذلك ساندت الجماهير العربية ، الثورة الوطنية الجزائرية التي حققت الاستقلال الوطني وتحرير القطر الجزائري الشقيق من الاستعمار الفرنسي طوال 133 عاما . كما خاضت الجماهير العربية في العديد من الكيانات العربية في منطقة الخليج العربي وجنوب اليمن ، نضالات وطنية ضد الوجود الاستعماري البريطاني على اراضيها .
غير ان التضامن العربي الشعبي بقي بدون تنظيم سياسي قومي جامع ممتد الى الاقطار العربية جميعا، يثمر القدرة لتحقيق الهدف الاكبر والاهم الذي هو الوحدة العربية الشاملة . ففي سوريا والعراق وصل حزب البعث العربي الاشتراكي للحكم في السنوات الاوائل من العقد السادس في القرن الماضي ، لكن رسالته الوحدوية لم تنتشر وتتحقق لاسباب عديدة شكلت عقبة امام ذلك . وحتى بين سوريا والعراق استمرت التجزئة ولم تَقم الوحدة بينهما للاسف الشديد . واستفاد الاعداء على مختلف انواعهم من استمرارالتجزئة وغياب الوحدة العربية عن ساحة الوطن العربي الكبير. وتمكنت اسرائيل من شن عدوانها العسكري على جيرانها في الخامس من حزيران عام 1967 واحتلال سيناء وقطاع غزة ، والضفة الغربية والقدس الشرقية ، ومرتفعات الجولان السورية . وساعدها على ذلك (المؤامرة الانفصالية) الرجعية التي جرت للاسف الشديد واسقطت الوحدة بين سوريا ومصر ، التي دامت من 22 شباط عام 1958 الى 28 ايلول عام 1961 .
خلاصة القول، ان مسألة التضامن العربي الخادع الذي يطرح اعلاميا في ظل استمرار حالة التجزئة العربية، ويظهر للتغطية على السياسات المتخاذلة كما هو الحال حاليا بالنسبة للنظام في الشقيقة الكبرى مصر المكبلة بقيود معاهدة ( كامب ديفيد ) وسياسة التبعية لامريكا بدلاً من سياسة الكرامة والكبرياء الوطني الايجابي الذي كانت مصر تمثله في عهد المرحوم الرئيس جمال عبد الناصر . تلك السياسة القومية الابيّة والنضالية المناقضة للسياسة المصرية الحالية .
إن التضامن العربي الصادق والفعال ، هو مطلب استراتيجي لا استغناء عنه . نعم ففي ظل هذه الرؤية يجب ان يكون وان يعمل القادة العرب جميعهم لانجاحه وتحقيقه والا لمن تلجأ الجماهير العربية الواقعة تحت الاحتلال منذ حزيران عام 1967 اذا لم تلجأ الى امتها العربية جمعاء . واذا لم يقف جميع الرؤساء والملوك والقادة العرب السياسيين والعسكريين والجماهير العربية واحزابها في جبهة واحدة لمواجهة الاعداء والطامعين، فهذا المطلب ليس بدعة او شعارا عاطفيا فقط او غير قابل للتحقيق. بل تحقيقه ممكن وميسر اذا غلّب الحكام العرب مصلحة الامة العربية على مصالحهم الذاتية .
ففي الانظمة المتناقضة قوميا وسياسيا تناقضا جذريا، تحتم عليها احيانا مصالحها المهددة للاتحاد بوجه العدو المشترك . فلا داعي للكثير من الامثلة على ذلك . بل يكفي ما اقدم عليه في الحرب العالمية الثانية . الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الامريكية، فقد حاربا في جبهة واحدة ضد النازية التي كانت حاكمة في المانيا . وهما يمثلان امما متعددة ومصالح متناقضة جوهريا تناقضا تناحريا. فكيف لا يصح ذلك عربيا ونحن امة عربية واحدة لا ينقصها سوى توحيد كلمتها وجمع صفوفها وحشد امكانياتها. خاصة وقد اصبحنا على قناعة تامة بأن حكام اسرائيل وجميع اعداء المستقبل العربي المنشود واصحاب المصلحة باستمرار الحالة العربية الراهنة على ما هي عليه من ضعف، لن يعملوا بصدق واخلاص لتحقيق السلام العادل المتوافق مع الشرعية الدولية، والتخلي عن اطماعهم التوسعية واهدافهم المعيقة لتطور العرب وتقدمهم، طالما هم يجدون العرب ضعفاء وليسوا جبهة واحدة بكل معنى الكلمة وغير قادرين على المواجهة الناجحة.
(مجدل شمس- الجولان العربي السوري المحتل)
