ثورة وثروة كان ابن البروة

single

طيّب الله ثراك يا ابا محمد. والله ان القلب ليحزن وان العين لتدمع وانا أُمسك قلمي لأكتب كلمات الرثاء وعبارات العزاء، بعدما كنت أكتب لك يا ابا محمد مهنئة اياك بالمعافاة والشفاء. ولكن ماذا نفعل والموت حكم شامل والقضاء نازل. وهذه الدنيا لم تسر الا أحزنَت وانها لم تُعطِ الا وأخذت. وان الموت سبيلٌ محتوم على الأولين والآخرين، ولا رادّ لما قضى الله.
طيّب الله ثراك وسقى ضريحك، لقد تعامل الزمان معك بجفاء يا ابا محمد، فقد ذُقتَ مرارة التهجير ايها البرواني العريق والاخ والصديق الذي عشنا مع حكاياتك التي سردتها في ديوان الكوكاني بالتصوير الحي للواقع الحقيقي، واقع حياتك واقع شعبك الذي كان حاضرًا في كل حرف وكل كلمة. فكنت مثالا ونموذجًا للتعبير الصادق المتواضع دون انتظار مجد او مقابل او الحصول ونيل المراتب او مصلحة شخصية، فاصبحت مرجعًا لكل واعٍ شريف، ومَعْلمًا حيًا وتاريخا زاخرا وحافلا، لقد عشتَ هموم الوطن فتزامن رحيلك مع ذكرى النكبة الثانية والستين، وكأن سنوات عمرك كانت تتطابق مع سنوات عمر النكبة، نكبة الشعب الذي أفنيْتَ عمرك وجل ايامك من أجله. فانت الغصن الذي ذوى والشهاب الذي خَبا والفرع الذي دل على اصله عنيدًا وطنيًا مشحونًا بالشحنات الثورية، فكنت الثورة من اجل حقوق شعبك والثروة التي ادخرتها من عذب كلماتك ورحيق قلمك الذي لم ينفك يومًا ينفث هموم الوطن والشعب.
يا صاحب الجبهة المرفوعة وقائد الجبهة النضالية التي لم تَنْحَنِ هامته ولا قامته حتى في احلك الظروف، في الخط الشريف في طريق الكرامة والحقوق، طريق احمد سعد الانسان الجبار الذي نقش على صفحات "الاتحاد" اسمى عبارات الهوية الفكرية والسياسية، الوطنية، النضالية بالنصوص الواقعية التي تحكي واقع الشعب المرير.
وقد صارَعْتَ المرض من اجل الحياة، لتكمل مشوارك النضالي من اجل حياة كريمة لشعب كريم يُناضل من اجل نَيْل حقوقه كشعب كريم له الحق في الحياة أُسوةً بباقي شعوب العالم. ولم تَحِد يومًا عن هذا الخط الشريف بالقلم النظيف وخصوصًا حق العودة للاجئين، "يا شاهد عبد الحق في ديوان الكوكاني" أيها البرواني الذي نضحتْ كلماتك بالعطاء والكفاح فكنت نعم النموذج الكفاحي الذي رسم خطواته بحبر النضال وتتبّعنا خطواتك من نفحات يراعك السيال فسال الشذا عابقًا من نسائم البروة مرورًا بصفحات "الاتحاد" الغراء الأبية التي توجْت مسيرتها الكفاحية بعذب الكلمات خاصة تلك الحكايات من ديوان الكوكاني، فكان السرْد يأخذنا الى تلك الاجواء الوادعة التي تفيض بعذوبة القصة الواقعية في ساحة النضال، تلك الاجواء الشعبية التي قَلَّ من يقدر ان يصفها بتلك الصبغة الحقيقية لأناس بفطرتهم النقية، همهم الوطن والشعب والارض والخط الكفاحي المستقيم دون أصباغ او رتوش او أقنعة زائفة بعيدة كل البعد عن المواربة والتسويف والتملق.
أبا محمد: ستبقى حيًا في الذاكرة والوجدان، وذكراك ستبقى خالدة لأن رايتك الحمراء لم تنكسر يومًا فهي مرفوعة بقسم الشهامة والنضال مشفوعة، واثبتَّ ان على هذه الارض ما يستحق الحياة. وان ذبُلت هذه الشجرة، لكن شموخها لم يذبل، فالاشجار تموت واقفة، فانت كنت السنديانة الشامخة وما زالت ذكراك تعتلي منابر الشموخ والإباء كقول الشاعر:
لو كان يخلد بالفضائل ماجدٌ                       ما ضَمَّت الرسلَ الكرامَ قبورُ
والناس في الدنيا كظل زائل                       كلٌّ الى حكم القضاء يصيرُ
لم أنسَ يومًا حديثك معي عبر الهاتف تقول لي: يا ام مبارك اكتبي دومًا وليكن لك إطلالة كل اسبوع في "الاتحاد" فانا استمتع بكل جوارحي وانا أقرأ كلماتك الجميلة ومتابع لكل كلمة تكتبينها، ولا تتأخري ابدًا علينا، واذا تأخرتُ لانشغالي بظرفٍ ما فانه سرعان ما يهاتفني قائلا اين المقال او القصيدة، فأسارع لتوي لاكتب، لان شهادة ابي محمد غالية علي خاصة عندما يُقيِّم كتاباتي، وطالما شجَّعني على ان يكون لي كتب باسمي وإصدارات لي بما اكتبه وسوف انفذ وصيتك يا أبا محمد عما قريب إن شاء الله لانه لم يؤخر ابدًا نشر ما كنت اكتبه. وبحق وليس من باب التعالي والمفاخرة كان دومًا يقول يا أم مبارك انا متابع دومًا للزاوية التراثية التي تقدمينها عبر المذياع وأنا وانت في نفس الخط من حيث سرد الحكايات الشعبية، واعذروني ايها القراء فانا اتذكر كلمات ابي محمد من باب الذكريات فقط وليس من باب المفاخرة والشهرة، فهذه هي الحقائق، وكثيرًا ما كان يهاتفني او اهاتفه لكي استشيره في عدة عناوين للمقال او للقصائد والاشعار التي كنت اكتبها. فقد طلب مني هو شخصيًا بأن يكون لي صفحة خاصة في "الاتحاد" الغالية اسميها "نفحات اليراع". وكان كلما يُصدر كتابًا يرسله لي للتو. وكان آخر لقاء لي مع أبي محمد العام الماضي في حفلة "الاتحاد"، وقد تجاذبنا أطراف الحديث وتمنيتُ له الشفاء والصحة والعافية، وكان مبتسمًا عالي المعنويات والأمل يتدفق من كلماته.
فرحمة الله الواسعة عليك يا ابا محمد وطيّب الله ثراك. ولأسرتك الكريمة اصدق التعازي القلبية الحارة، وألهمهم الله الصبر والسلوان، ولتكن هذه الفاجعة  ان شاء الله خاتمة الاحزان لهم.

 

(كفركنا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

سي..سي..يا سيسي!!

featured

نحو عيد سعيد..

featured

لجنة المبادرة العربية الدرزية، ثوابت ونضال

featured

أطفالنا يقتلهم الفقر! فأينكم؟!

featured

الرفيق أبو الياس – وداعا

featured

قتل عمْد لجنين السلام

featured

حكومة خطيرة و"معارضة" متخبطة

featured

الاحتلال يدمر الحاسة الخلقية الجميلة في الإنسان!