لماذا يجب أن يقترن عيد الأم بالدموع المتجمعة في المآقي؟ فهذه الكمية من الألحان الحزينة والشهقات، وتعداد الأيام الصعبة التي تعيشها الأم تتنافى وأجواء العيد.. وكلو كوم وولد بنطنط، في الشارع حامل وردة، كوم. أصاب بالذعر وأنا أشاهده بين السيارات! أينها، ست الحبايب، تاركة ابنها في الشوارع؟ والسيد جوزها، مصمود بحد ست الحبايب، شو قاعد بعمل؟ خليه ينتبه للأولاد؟
هل كل الشعوب تحتفل مثلنا بالجوح والنواح؟ شو خص الجوح بالعيد؟ برأيي، وتزعلوش، هذا العيد فيّو إشي مش مزبوط. اسمعوا الإذاعات: واحد بقولك إنو مش عارف يعبر عن عواطفه الجياشة. طيب ما دامك مش عارف تعبّر لئيش بتتصل؟ أقعد في البيت بحد أمك وبوسها، وأرِح أمة العرب، من تعابيرك الكبيرة حول العواطف "الجياشة" وما أدراك من اصطلاحات.. الزلمة حافظ كلمة "جياشة" وبدو يدوخنا فيها. واللي أمّو ماتت، بقولك إنو من الصبح وهو حايص.. ليش حايص؟ قال إنو اتذكر إمو. يعني خلينا نفهم! شو بدك يكون عمرك تسعين سنة وتضل إمك بحدك.. ناقص تعيطلي على ستك كمان!
وبعدين بتطلعلك مرتك، مش كمان هي أم؟ مش هي أم أولادك. آخر عيد، أختي الكبيرة بهدلتني: "مش عيب عليك مش جايب لمرتك ضمة ورد في عيد الأم؟!". وسألتها ببلاهة، ما زلت نادمًا عليها حتى اليوم: "أنا شو خصني.. أنا بس جوزها". "جوزها يا اللي بتستحيش.. مش هي كمان أم أولادك؟" قالت مؤنبة. فيما بعد، اتضح لي، أن عيد الأم وقع إبّان جمعة مشمشية من العلاقات الحسنة بين أختي الكبيرة وزوجتي، ورحت أنا بالدوكة.. ومع أنني كنت دائمًا من مؤيدي الانفراج في العلاقات، إلا أنني حزنت أن هذا الانفراج بالعلاقات لم يجد وقتًا مناسبًا له إلا في موسم عيد الأم.
وكمان لازم تحتفل بحماتك، إمرأة عمك، مش هي كمان أم؟ ومش أي أم، فهي أم زوجتك، اللي مفروض تكون زي أمك؟. وهنا يجب أن تحتفل بها بأفضل ما يكون، على الأقل من أجل السلم العائلي.
المزبوط، هذا العيد بحبو وبحبوش؛ بحبو لأنو الأم عزيزة وبتضحي ولازم نكرمها. وبحبوش، لأنو فيه كثير تمثيل. راحت الأصالة من احتفالاتنا. وفي حينه قلنا لحياة أمي الله يرحمها، ويرحم أموات السامعين والقارئين، لما بدأت بشائر هذا العيد تهل علينا: "ها يما.. شو بدك نجيبلك على عيد الأم". بكل إباء وشمم طلبت أمي "طنجرة ضغط". نعم.. طنجرة ضغط. شفتو حدا بطلب هدية لعيدو طنجرة ضغط. لا عطور ولا صوابين ولا ملابس.. طنجرة ضغط، تطبخ للأولاد.
الله يرحمك يما.. الدمعة بدها تفر، بل فرت، من عيني.
