على قارعة الطريق

single

اعتمد بن غوريون، فيما اعتمد عليه، في مخططاته لإفراغ البلاد من العرب، بأن العرب أنفسهم لن يقبلوا بالعيش تحت "حكم اليهود". بمعنى أن الكرامة العربية ستأبى ذلك، واعتقد كذلك أن حتى من بقي منهم، بالرغم من سياسة الترحيل، سوف يخرج من البلاد. لم يخرج أحد. ولكن هذا التقييم لبن غوريون تجسد فيما بعد، ولسنوات طويلة وربما حتى اليوم، حينما شن إخواننا العرب في الدول العربية هجومًا كاسحًا علينا، لأننا "أخطأنا" وبقينا في بلادنا. اعتبرونا صهاينة وخونة. وفي المنتديات العالمية، حتى اليسارية منها، ابتعدوا عنا خوفًا من أن ننقل عدوى الصهيونية لأجسادهم الطاهرة.
يظهر أن "الأخ بن غوريون"، (و"الأخ" هي الصفة التي أطلقها الملك عبد العزيز بن سعود على بن غوريون - اقرأ الكتاب الرائع لعبد المجيد حمدان، إطلالة على القضية الفلسطينية ج2) كان يعرف النفسية العربية، حق المعرفة، وربما اعتقد في لحظة من اللحظات أن الوجود الفلسطيني، أي ما تبقى من هذا الشعب في البلاد، مؤقت. اليوم، ما زال البعض، وممن هم في السلطة، يعتبرون هذا الوجود، الخطر الاستراتيجي الأكبر على دولة إسرائيل.
المشكلة الكبيرة التي واجهت قيادة بن غوريون، هي أن مجموعة شبان فلسطينيين، قالت بما معناه "إننا نريد أن نعيش في هذه الدولة، بمساواة قومية ومدنية". وهذا الموقف الواضح المعالم، غير المتأتئ وغير الخائف من خياله، أدخل المخططات الصهيونية في حالة من الإرباك لم تتعود عليها، أمام الشنشنات العربية الفارغة المضمون والتي شكلت "الأليبي" لجرائم بشعة ضد هذا الشعب.
"ماذا تريدون منا؟" كان سؤال قيادتنا الحكيمة، "فها نحن العرب نعلن أننا لا نريد القضاء على دولة إسرائيل، وبالطبع لا نريد إلقاء اليهود في البحر. يكفينا شركم وما حدا قدنا!". وقالوا أيضًا، إننا نريد العيش بموجب ما تتيحه قوانين الدول المتمدنة. وفي حينه، استعمل إميل حبيبي المثل الشعبي، بمفهومه العكسي، فقال، "على قد فراشك مد إجريك.. بس مدهن". بما معناه أن هذه الفراش، أي "الديمقراطية" الإسرائيلية المنقوصة، ما زال يتسع لكثير من مد رجليك: في المظاهرات وفي التواقيع وفي الاجتماعات الشعبية، وكان الأوج في الإضراب العام في يوم الأرض. ربحنا هذه المعركة، وبقينا في أرضنا، وتطورنا وازداد عددنا، من خلال معركة ضارية على تشييد كل بيت وتعليم الابن، وتشكيل هيئاتنا التمثيلية.  
وفي حينه، واختصارًا للحديث، نشير أن قيادة الجماهير العربية تعاملت مع هذا الموقف الاستراتيجي، أي خيار المواطنة في دولة إسرائيل، بقوة وبحزم، وكلما أمعنت قيادتنا في هذا الموقف ارتبكت القيادة الصهيونية أكثر. من أين أتى لنا هؤلاء؟، تقول القيادات الصهيونية في سرها وفي علنها، يريدون التأثير في الانتخابات وفي الحياة السياسية؛ يريدون الدخول في الهستدروت وفي باقي النقابات؛ يريدون مجالس محلية منتخبة؛ ويريدون هويات إسرائيلية؛ ويريدون نشاطًا مشتركًا يهوديًا عربيًا، ويتظاهرون في تل أبيب من أجل حق عودة اللاجئين. وكان لسان حال القيادة الصهيونية يقول آنذاك: "ما أجمل الحياة مع عرب يريدون ذبح اليهود".
إن الاستراتيجية التي وضعها مهندسو بقائنا في الوطن هي في أساسها استراتيجية هجومية. استراتيجية الهجوم هذه التي أربكت العدو، وبدل من أن يحاصرنا فقد حاصرناه، وحاربنا على أرضه وبين أهله، حيث نجد أوساطًا لا بأس بها ترى بنا شركاء في  المعركة على العدالة الاجتماعية والسلام العادل والمساواة التامة. هذه الجماهير التي تثقفت على يد طوبي وماير فلنر وحبيبي وزياد، كان شعارها الأول الثقة بقدراتها وبالنضال الذي لا يعرف الهوادة. ولم يعرف قاموسها توجهات التقوقع، لأن التقوقع والانزواء جانبًا غريب عن مزاجها.
هنالك من يريد أن يبقى على قارعة الطريق. مبروك عليه الرصيف، وهناك ألف تبرير لافتراش الرصيف، مثل أن الأرض مائلة في الشارع. أما جماهيرنا، فلها قلب القلب في الشارع الواسع، أوسترادا النضال الذي يجمع كل المظلومين، العرب واليهود، في سبيل تغيير الأولويات في هذه الدولة، فتغيير أجندة هذا المجتمع من أجندة أمنية- أي سياسة العدوان- إلى أجندة مدنية اجتماعية هي في صميم مصلحتنا. وإنها لمعركة ونحن لها.

قد يهمّكم أيضا..
featured

تنفُّس العبير أفضل من تنفس الغازات السامة

featured

شحنٌ للتوتّر لأغراض سياسية

featured

هل أمريكا حقا جادة في محاربة الإرهاب ؟ لا أظن

featured

أعطوا الطلاب والمعلمين حقوقهم

featured

أوقفوا هذا الجنون !

featured

الإرهاب وحتمية التاريخ

featured

غدْر نقابة المعلمين بمتقاعديها العرب

featured

مطلوب: خليلة للكاتب