بعد صدور قانون الأراضي العثماني وقانون تسجيل الأراضي (الطابو) لم يتمكن سكان شفاعمرو الدروز من تسجيل أراضيهم لعدم تسديد ما تراكم عليها من ضرائب فالتجأوا إلى صالح أفندي المحمد شبل لمساعدتهم لما له من جاه ونفوذ لدى الحكومة التركية وعقدوا معه اتفاقا ثنائيا يقوم بموجبه بتسديد الضرائب عنهم وتسجيل الأرض باسمه وباسم الدروز مناصفة...
ولد المرحوم صالح أفندي المحمد شبل في قرية المكر من قضاء عكا وتربى في بيت قريبه الزعيم المعروف أحمد نور وأخذ عنه الوجاهة وحب النفوذ حتى تحقق له ذلك وأصبح بدوره من زعماء عكا وقضائها البارزين وكان مضيافا كريم النفس، متدينا كثير الصلاة يحافظ على أوقاتها بدقة...
بعد عقد الاتفاقية المشار إليها أعلاه أخذ صالح أفندي يعمل لدى الدوائر الحكومية لتنفيذها غير أن خصومه الكثيرين في عكا، وعلى رأسهم الشيخ أسعد شقير ومعه المرحوم توفيق أفندي حقي العبدالله كانوا بدورهم يقاومون مساعيه ويضعون العراقيل أمامه حتى وقع انقلاب سنة 1908 فقل نفوذه ثم ما لبثت أن نشبت الحرب بين تركيا وايطاليا عام 1909 واستمرت حتى سنة 1911 إلى أن تمكن أخيرا من تسجيلها عام 1914...
ولما علم خصومه بالأمر نجحوا في استصدار قرار ببطلان هذا التسجيل وفي أثناء هذه الأحداث نشبت الحرب العالمية الأولى وفي سنة 1916 وشى به خصومه بأنه يحرض العرب على عدم التطوع في الجيش التركي وبقي رهن المحاكمة حتى سنة 1917...
وبعد أن تولى جمال باشا الصغير الحكم بدل جمال باشا الكبير (الذي كان ظالما) أطلق سراح صالح أفندي فقام يعاود مساعيه وخصوصا بعد أن دخلت الجيوش الانكليزية البلاد بعد هزيمة تركيا في الحرب وأقامت المحاكم المدنية، نجح لدى هذه المحاكم في تحقيق ما سعى إليه مدة ثماني عشرة سنة أي منذ عام 1905 حتى عام 1928... وتم أخيرا تسجيل الأراضي المذكورة...
ووفى بما تعهد به لشركائه واتفق الفريقان على قسمة الأرض مناصفة بينهم وبموجب هذه القسمة صار كل فريق يتصرف بالأراضي التي أعطيت له ويفلحها ويزرعها، أما صالح أفندي فقد استأجر بناية قي شفاعمرو وسكن فيها لإدارة أراضيه التي أخذ يؤجرها إلى بعض المزارعين من شفاعمرو ومن القرى المجاورة، ولما كانت أسعار الحاصلات الزراعية في تلك الأيام بخسة جدا لم تكن تلك الأراضي تعود على صاحبها بفائدة تذكر...
كانت الديون قد تراكمت عليه لكثرة ما أنفق على هذه القضايا ولكثرة ما دفعه من رشى لموظفي الحكومة التركية فعجز عن وفاء تلك الديون أو أي قسم منها وأخذت تزداد من سنة إلى أخرى نظرا لما يضاف إليها من فوائد فاحشة كانت تصل في بعض الأحيان إلى 60% !! ولم يبق أمامه سوى بيع الأراضي ولكن لمن يبيع والحالة الاقتصادية في البلاد سيئة وخصوصا عند العرب فلا يوجد من يشتري سوى الشركات اليهودية وبأسعار بخسة...
يقول والدي: "في أحد الأيام دعاني رحمة الله عليه مع المرحومين الشيخ سليم عليان والشيخ يوسف ياسين وقال لنا: "إني متضايق جدا ولا أريد أن ألطخ هذه اللحية البيضاء ببيع ما أملك من أراض للشركات اليهودية، لأن أيامي على الأرض أصبحت معدودة وأريد أن أقابل وجه ربي غير ملطخ بهذا العار... فالآن بلغني أن الثري الشهير الحاج نمر النابلسي موجود في طبريا للاستشفاء، فأكلفكم أن تذهبوا إليه كوفد من قبلي تعرضون عليه شراء جميع ما لي من أراض في شفاعمرو بأي ثمن يريد" فأظهرنا استعدادنا للقيام بهذه المهمة، وعزمنا على السفر في اليوم التالي وقبل سفرنا اتصل تلفونيا بطبريا يسأل عن الحاج نمر فقيل له إن المذكور رجع اليوم فجأة إلى نابلس، فتوقفنا عن السفر ووقف هذا المسعى عند هذا الحد"...
وراح يسعى هنا وهناك، استدان من المرحوم الحاج خليل الطه ورهن عنده مساحات من الأراضي... استدان من أنيس الخوري ورهن عنده أرض ابطن (مزرعة آل قرمان اليوم)... ولكن جميع ما استدانه من المذكورين لم يكن كافيا لتسديد جزء مما كان يطلب منه، فبقي في ضائقة مالية حادة...
نعود الآن إلى المسلمين الذين نزع يدهم عن الأراضي التي كانوا يستعملونها قبل التسجيل كونها كانت "محلولة" فساءت أحوالهم المالية جدا وصاروا إلى حالة مؤلمة من الفقر والعوز... الأشغال قليلة ولم يبق لهم أرض، فصاروا يستأجرون مساحات ضئيلة من أراضي المسيحيين يزرعونها لتأمين ما يسدون به الرمق، والمرحوم صالح المحمد لم يكتف بطردهم من الأراضي بل صار يلاحقهم بطلب إيجار تلك الأراضي عن ست عشرة سنة فيقيم القضايا الحقوقية عليهم والمحاكم تصدر أحكامها عليهم بمئات الليرات وذلك خلال المدة الواقعة بين سنة 1928 وسنة 1932 وهي الأيام التي لم تشهد البلاد فيها ضيقا ماليا أعظم منه، فمن أين لأولئك البسطاء دفع مثل هذه المبالغ وهم لا يجدون ما يملأون به بطونهم فيلاحقهم بالحجز على من يجد عنده مزروعات حتى وصل به الأمر إلى إلقاء الحجز على البطيخ قبل قطفه، فكانت هذه الحادثة سببا لاستفزاز أولئك الفلاحين...
لما تولى هتلر الحكم في ألمانيا وتدفقت هجرة يهودها إلى فلسطين أخذت الأحوال الاقتصادية تنتعش وأسعار الأراضي تميل إلى الارتفاع، فاغتنم صالح افندي المحمد هذه الفرصة وأخذ يفاوض على بيع الأراضي مكرها تحت ضغط ضائقته المالية...
ففي مساء يوم 2 آب سنة 1933 كان المدعو باروخ رام وكيل شركة "هانوتيع" ضيف صالح المحمد على العشاء في شفاعمرو ولإتمام المفاوضة على بيع جميع الأراضي السهلية الواقعة في الجهة الغربية من أراضي شفاعمرو، فتم اتفاق مبدئي على البيع...
كان صالح أفندي المحمد كثير الصلاة لا يقطعها أبدا ويحافظ على مواعيدها محافظة تامة فعند فجر يوم الجمعة 3 آب سنة 1933 وفيما كان ذاهبا إلى جامع شفاعمرو لأداء صلاة الصبح فاجأه على أبواب الجامع مجهولون واغتالوه عند عتبة الجامع وألقوه في الشارع العام قتيلا...
ما كادت تشرق شمس ذلك اليوم حتى انتشر خبر الجريمة في القرى المجاورة فهاج سكانها وهجموا على شفاعمرو واتهموا في البداية الدروز بقتله وحاولوا الاعتداء على من يجدونه في طريقهم وللحال انبرى لهم المرحوم أبو حمادة محمد حمادة وهو من وجهاء البلدة المحترمين وعمل على صرفهم وإعادتهم من حيث أتوا ثم استدعي البوليس البريطاني من حيفا وأوقف المهاجمين عند حدهم ولم تقع سوى إصابات بسيطة جدا وأضرار مادية لا تذكر وبعد أن واصل البوليس تحقيقه تبين أن القتلة هم من بعض الفلاحين المسلمين الذين كان قد حجز على مزروعاتهم قبل يومين...
وقد اتهم المرحوم الحاج خليل الطه بأنه كان المحرض على ارتكاب هذه الجريمة فأوقف أيضا رهن التحقيق مع من أوقف من المسلمين... وبعد وقت غير قصير اعترف اثنان من المتهمين بالجريمة وسلما ادوات الجريمة، وعند تقديمهما للمحاكمة بقيا على اعترافهما فحكمت عليهما بالإعدام شنقا، ونفذ فيهما الحكم... ومما جاء في قرار المحكمة قولها للمتهمين "بما أنكما قتلتما شيخا طاعنا في السن لا يملك قوة الدفاع عن نفسه، لذلك تقرر المحكمة الحكم عليكما بالموت شنقا" وقد كان سبق وأفرج عن باقي المتهمين وتبرأ الحاج خليل الطه من تهمة التحريض على القتل التي كانت وجهت إليه، فهنأه أحد أصدقائه من غزة بالبرقية التالية "عزاؤنا على مصائب الاستعمار نزاهة القضاء البريطاني"!!...
لقد كان قتل المرحوم صالح المحمد شبل بهذه الصورة الوحشية أول حادث اغتيال في البلاد فكان له دوي هائل وقد علقت عليه الصحف تعليقات كثيرة... بعد هذه الحادثة تمم أولاد صالح المحمد صفقة البيع لشركة" هانوتيع" التي كان عقدها والدهم قبل قتله، وبذلك أسدل الستار على هذه القضية، لأن أراضي صالح المحمد بيعت جميعها، وأراضي الدروز لا تزال بأيديهم الى اليوم يفلحونها ويزرعونها فتدر عليهم الخيرات...
(من كتاب فلسطيني بين ثلاثة عهود - تحت الطبع)
