عقيدة "دول العدو": أداة إضافية لقمع الأقلية العربية في إسرائيل

single

تقوم دولة إسرائيل مؤخرًا باللجوء مرارًا وتكرارًا إلى فرض منع العلاقات الاجتماعية والثقافية بين مواطنيها وبين جزء كبير من العالم العربي، بادعاء أنّ هذه العلاقات تقع في خانة الاتصال بـ "مواطني العدو".  ما هو تأثير هذه المُنوعات على المواطنين العرب الفلسطينيين؟ هل هذه المُنوعات شرعية وتستوي مع مبدأ المساواة وأسس القوانين الدولية؟
"مكتبة كل شيء" هي مستوردة كتب بملكية السيد صالح عباسي، وهي أحد أكبر مستوردي الكتب في المجتمع العربي في إسرائيل. ويقوم السيد عباسي، ولأكثر من ثلاثين عامًا، باستيراد الكتب الصادرة في لبنان وسورية، من مصر والأردن. الكتب المستوردة في الغالب تتبع لأنواع أدبية مختلفة، ومن ضمن ذلك أدب الأطفال العالمي والمحلي، الأدب العربي الكلاسيكي والعصري، الأدب العالمي المترجم، الآداب المهنية، المعاجم والموسوعات وغيرها. وتصل نسبة الكتب اللازمة للمواطنين العرب في إسرائيل والصادرة في لبنان وسورية إلى حوالي 80%. في أيلول السنة الماضية تلقى السيد عباسي رسالة من وزارة الصناعة والتجارة والتشغيل، أُعلِم فيها بوقف استصدار التصاريح الممنوحة لـ "كل شيء" باستيراد الكتب من لبنان وسورية، بدعوى أنّ مثل هذا الاستيراد يشكل اتجارًا مع العدو وفق أمر الاتجار مع العدو الصادر في العام 1939.
إلتمس "عدالة" المحكمة العليا من أجل تجديد إصدار تصاريح الإستيراد لـ "كل شيء" والإعلان عن عدم سريان أمر الاتجار مع العدو على استيراد مثل هذه الكتب. وادّعت الدولة أنّها لم تغير موقفها القاضي بأنّ استيراد الكتب الصادرة في لبنان وسورية عبر الأردن ومصر هو اتجار مع العدو. إلى جانب هذا، تقرر منح ترخيص استيراد استثنائي لـ "كل شيء"، فقط، يجري تجديده سنويًا، وذلك في ضوء طابع "البضاعة"، وهي كتب تدريس وتربية، نظرًا لأهميتها لـ "سكان إسرائيل". وردّ الملتمسون بأنّ الاستعانة بالأمر يشكّل خطوة متطرفة وجارفة وأنّ الحاجة إلى هذا الأمر يضع الدولة أمام منحدر زلق يعني زجّ جزء كبير من مواطني الدولة العرب في النطاق الجنائي جراء أيّة خطوة عملية يقومون بها للاستيراد أو الإتجار بهذه الأمور. قررت "العليا" بتاريخ 1/10/2009 أنّ منح تصريح الاستيراد لـ "مكتبة كل شيء" يجعل من الالتماس غير ضروري، ولم ترَ حاجة في التطرق إلى الأسئلة المبدئية الماثلة في تفعيل الأمر، وأنه يمكن للملتمسين عند الحاجة أن يطرقوا مجددًا باب المحكمة لطلب العون.

تشكل هذه الحالة حلقة إضافية في مسلسل نزع الشرعية الذي تمارسه إسرائيل ضد المصالح الطبيعية والشرعية الخاصة بالأقلية العربية فيها، والمتمحورة في إنشاء علاقات مع أبناء أمتها في الدول العربية. وتقيم غالبية الشعب الفلسطيني علاقات عائلية مع أبناء عوائلهم اللاجئين في لبنان وسورية، أو أنهم يسعون لذلك؛ كتاب فلسطينيون يرغبون في المشاركة في مسابقات أدبية اعتبارية في العاصمتين الثقافيتين بيروت ودمشق؛ ناشطون سياسيون ورجال دين يزورون هذه الدول؛ كما أنّ هناك مواطنين كُثُرًا يسعون لاستيراد منتجات كثيرة تُنتج حصريًا في هذه الدول، والمجال أضيق من تعداد جميع الأمثلة. من جهتها، تفرض إسرائيل مُنوعات على هذه العلاقات عن طريق سياساتها والتشريعات المختلفة والمتنوعة، أكثرها صيتًا وتطرفًا قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل (أمر ساعة)، 2003، الذي يمنع مواطني إسرائيل من الزواج والعيش سوية مع أزواجهن/ زوجاتهم في إسرائيل في حال كان الزوج/الزوجة مقيمًا أو مواطنًا في دولة عدو. كما أنّ هذا يسري أيضًا بما يخص المنع المفروض على "مكتبة كل شيء"، استقاءً من إعادة إحياء أمر قديم من مخلفات الانتداب البريطاني في البلاد. القاسم الجامع لهذه التشكيلة من التشريعات هو الاستخدام الجارف لعقيدة "دولة عدو".

لقد تبنت إسرائيل هذه العقيدة من بلدان أخرى أكثرت من الاستعانة بهذا التوجه إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية، باعتبارها وسيلة دفاعية في وجه المخاطر الأمنية الماثلة في دول العدو، حيث جرى فرض هذا المنع، أساسًا، على علاقات ذات طابع أمني جليّ، مثل الاتجار بالأسلحة وبالوسائل القتالية على اختلافها. بريطانيا لجئت إلى عقيدة "دول العدو" بشكل واسع ضد مواطنين ألمان خلال الحرب العالمية الثانية، حيث فُرضت عليهم أشكال مختلفة من المقاطعة كونهم مواطنين لدول عدو. كما فرضت المقاطعة على اليهود أيضًا الذين كانوا في ذات الآن ضحايا النظام النازي في ألمانيا. يمكن العثور على مثال آخر في الولايات المتحدة الأمريكية، التي أعلنت في العام 1962 مقاطعة اقتصادية على كوبا في أعقاب تسلم فيدل كاسترو لمقاليد الحكم. واستندت المقاطعة الاقتصادية على كوبا إلى أمر الاتجار مع العدو، لتشمل هذه المقاطعة الاقتصادية حتى العام 1988 جميع صنوف البضائع المستوردة من كوبا، بما فيها الكتب والأفلام والموسيقى وغيرها. وفي العام 1988، وفي أعقاب شكاوى كثيرة تتعلق بمنع استيراد الكتب والمجلات من الدول التي فُرضت عليها المقاطعة الأمريكية الاقتصادية، جرت بلورة حالات استثنائية تُمكّن من استيراد هذه البضائع، رغم تسيير قانون منع الاتجار مع الدولة- كوبا في هذه الحالة. وتمتنع هذه الدول في غالبيتها، اليوم، عن الاستخدام الجارف لهذه العقيدة، من خلال اتباع الحذر والحرص على سريان مقلص جدًا في ضمن السياق الأمني الجليّ. من الجدير في هذا السياق أن نذكر أن حق الأقليات القومية في إقامة علاقات مع أبناء شعبهم في الدول الأخرى مثبت في القوانين الدولية، وعلى رأسها إعلان الأمم المتحدة المتعلق بحقوق أبناء الأقليات الإثنية والقومية واللغوية الصادر في العام 1992. وينص البند 2(5) في الإعلان على أنّ للأقليات القومية الحق الشرعي في أقامة علاقات مع أبناء شعبهم في الدول الأخرى من دون تمييز.

 

// ما الذي يميّز استخدام هذه العقيدة في إسرائيل؟

ينصّ القانون الإسرائيلي على أنّ دول العدو هي دول عربية، كانت حتى العام 1948 جزءًا لا يتجزأ من الحياة القومية والاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية والتاريخية واللغوية الخاصة بالعرب الذين تحولوا إلى أقلية في داخل دولة إسرائيل، كما أنّ هذه الدول شكلت أيضًا تتابعًا حيّزيًا انقطع لحظة قيام دولة إسرائيل. ويتعاظم، مؤخرًا، نهج ممارسة هذه العقيدة على المناطق الفلسطينية المحتلة العام 1967. وينتج أنّ المتضررين الأساسيين -هذا إذا لم يكونوا الوحيدين- من فرض هذه العقيدة هم أبناء الأقلية العربية مواطني دولة إسرائيل، الذين يسعون لإجراء علاقات شرعية مع أبناء شعبهم الفلسطيني وأمتهم العربية.

تقوم إسرائيل باستغلال عقيدة "دول العدو" كأداة إضافية لقمع الأقلية العربية في إسرائيل والتمييز ضدها، تحت غطاء تشريع انتدابيّ وإسرائيلي "حيادي"، ظاهريًا. وفيما يخصّ قانون المواطنة، قضت دولة إسرائيل، وبدعم الكثير في الأكاديمية الإسرائيلية، بأنّ المنع المفروض على لمّ الشمل هو شرعيّ، لأنّ من حق كل دولة في العالم أن ترسّم سياستها المتعلقة بالهجرة، وفق احتياجاتها ونظمها! نذكر هنا أنّ هذا ما يُشتمّ أيضًا من ردّ الدولة على التماس "عدالة" و"مكتبة كل شيء" بشأن المنع المضروب على هذه المصلحة لاستيراد الكتب الصادرة في لبنان وسورية، عندما أوردت الدولة أنّ هناك أهمية بالغة لأمر الاتجار مع العدو في ضوء غايتها التي "تسعى لمنع تقديم العون الاقتصادي المباشر وغير المباشر للعدو من طرف دولة عدو". ويعني هذا أنّ إسرائيل لا ترى غضاضة في ترسيم مثل هذه السياسة، رغم إسقاطاتها بالغة الخطورة على الأقلية العربية في إسرائيل.

الأقلية العربية في إسرائيل هي أقلية قومية في داخل إسرائيل، إلا أنها جزء من جَمع قوميّ عربيّ كبير، تشكّل جزءًا لا يتجزأ من هذا الجَّمع، وعليه فليس هناك أيّ مُرتكز قضائي أو أخلاقي أو قيميّ لتقطيع الأوصال الذي تفرضه إسرائيل على المواطنين العرب عن أبناء أمتهم في الدول العربية. وقد قضى القاضي حيشن في أمر الحكم بخصوص لمّ شمل العائلات في العام 2006 بأنّ الحرب بين إسرائيل والفلسطينيين هي حرب "جَمع ضد جَمع"، وعليه فإنّ الفلسطينيين القاطنين في المناطق المحتلة هم مواطنو دولة عدو. ومع أنّ غالبية قضاة المحكمة العليا لم تتبنَّ توجه القاضي حيشن هذا، إلا أنه يشير إلى نهج تجاهل الميّزات الجمعية الخاصة بالأقلية العربية كأقلية قومية أصلانية، وإقصائها عن جمعها العربي عنوة، حيث يشكل هذا الإقصاء عقابًا جمعيًا بحقّ المواطنين العرب تحت غطاء تشريع حياديّ يسعى لدفع مصالح ديمغرافية وأمنية خاصة بالجمع اليهودي.

إنّ سياسة تجاهل المصالح الشرعية للمواطنين العرب لدرجة تعريضهم لخطر الاتهامات الجنائية، هي سياسة عنصرية تمييزية تمسّ لبّ وجوهر حقوق الأقلية العربية الدستورية، وبما لا يقلّ عن ذلك- بحقوقه الجمعية. كما أنّ المنع المضروب على استيراد كتب صادرة في لبنان وسورية يشكّل تقدمًا آخر خطرًا باتجاه السياسات آنفة الذكر، بحيث تكتسب هذه الخطورة توكيدًا آخر في ظلّ تهرّب "العليا" من إجراء نقاش مبدئي في إسقاطات تسيير أمر الاتجار مع العدو على علاقات تجارية شرعية بين المواطنين العرب وبين أبناء أمتهم في الدول العربية. ولا يشكل حلّ مشكلة لتفصيل واحد من تفاصيل أخرى كثيرة، ردًا كافيًا، بالمرة، على هذا التمييز الخطير والمتواصل تجاه المواطنين العرب في إسرائيل.
ׁ


(الكاتبة محامية في مركز "عدالة" – المقال عن مجلة عدالة الالكترونية، عدد 66، تشرين الثاني 2009)ׁׁ

قد يهمّكم أيضا..
featured

قالت الحماة: بحكي يا جارة...

featured

اذا قل ماء الوجه قل حياؤه

featured

إرهاب يتغذى من مبيداته

featured

في غياب الضمير

featured

حقوق الانسان عائبة ومغيبة !

featured

الدليل والاتهام

featured

عن الأسرلة والهوية