سقى الله تلك الايام ، في الثمانينات من القرن الماضي ، عندما كانت هيئة تحرير"الاتحاد" تجتمع يوميا ، الساعة الرابعة بعد الظهر ، في غرفة رئيس التحرير الكاتب الروائي اميل حبيبي ، رحمه الله ، ويطلب مني في بداية الاجتماع ان استعرض الاخطاء اللغوية التي وجدتها في عدد "الاتحاد" في ذلك اليوم.
كان اميل حبيبي الكاتب الكبير والصحافي البارز يعشق اللغة العربية ويحرص ان تخلو "الاتحاد" من الاخطاء اللغوية ويحاول ان ينقل هذا العشق وهذا الحرص لزملائه ورفاقه المحررين ، وكان يقسو احيانا على من نجد خطأ لغويا في الخبر الذي كتبه او في المقالة التي راجعها وحررها او كتبها ، وكان يصرّ على الا يصل الخبر او النص الى المطبعة الا بعد ان يراجعه اثنان من المحررين بما في ذلك افتتاحية "الاتحاد" اليومية التي كان يكتبها هو نفسه في معظم الايام او اسبوعياته او شمقمقياته.
كان الرجل يرى في "الاتحاد" مشروع حياته ، يحبها ويعتز بها ويطمح ان تصدر اعدادها نظيفة خالية من الاخطاء اللغوية لان هذه الصحيفة العريقة التي حررها من قبله المؤرخ د.اميل توما ، رحمه الله، وظهر على صفحاتها قصائد وقصص ومقالات لشعراء وادباء وكتاب بارزين ومعروفين ، هذه الصحيفة التي اصبحت سفيرتنا الى العواصم العربية والى العواصم الاشتراكية والى حركات التحرر الوطني والى عدد كبير من الجامعات المعروفة والى ادباء وشعراء وكتاب ومفكرين مرموقين في العالم العربي ، هذه الصحيفة يحق لهل ان تصدر بدون اخطاء نحوية بل يجب ان تكون كذلك.
واذكر فيما اذكر ان جلسة ودية جمعتني بمجموعة من الشعراء والادباء في مقهى في مدينة الناصرة ، عاصمة الجليل ، وتناول حديثنا في ما تناول قضية لغوية واصرّ احد الشعراء على رأيه ثم نهض وغاب عدة دقائق وعاد يحمل عددا من اعداد صحيفة "الاتحاد" ولما وصل الى مائدتنا وقف وقرأ جملة تدعم رأيه وحين سأله احدنا: هل صارت "الاتحاد" ابن منظور؟ اجاب: طبعا لا . ولكنها صحيفة لا تنشر على صفحاتها خطأ لغويا.
سقى الله تلك الايام حينما كان الكاتب او الشاعر يرى الخطأ اللغوي او النحوي او الاملائي او العروضي في مقالته او قصته او قصيدته عيبا او عارا واذا حدت وهمست او أشرت الى احد الكتاب او الشعراء ان في نصه خطأ لغويا او عروضيا احمرّت وجنتاه وتورّدت أذناه .
كان الكتاب والادباء والشعراء والمحررون تربطهم علاقة ودية متينة بابن منظور وبالمنجد ، بالنحو الوافي وبالشرتوني ، برسالة الغفران وبالأغاني ، وبغير ذلك من زملاء واصدقاء واتراب لهؤلاء المحترمين.
سقى الله تلك الايام حينما كانت الكتابة بلغة صحيحة وسليمة قضية وطنية وكان التفريط بها يعني بداية التفريط بالثوابت الوطنية.
لم يبق لنا سوى اللغة.
لغتنا العربية الغنية .
لغتنا الجميلة.
لغة الضاد.
لغة القرآن.
لغة التراث والحضارة.
لغة وجودنا وبقائنا.
