ليس بالفاشيين وحدهم تنمو الفاشية!

single

*أية محاولة منهجية لتوجيه إصبع الاتهام إلى الجماهير العربية في إسرائيل، مباشرة أو ترميزا، وتحميلها المسؤولية  عن حرائق الاحراش والغابات، ليست أكثر من محاولة عنصرية مقيتة، ولعبة خطيرة بالنار الحارقة  يدفع الجميع ثمنها*
 

"الفتوى" الدينية  التي أصدرها العشرات من حاخامات المدن، والتي تحرّم على اليهود بيع البيوت أو تأجيرها لمواطني الدولة العرب، تشكل نموذجا ظلاميا، يعكس الحضيض الذي وصلت إليه الديمقراطية الاسرائيلية والجرف العنصري الطاغي على كل مناحي الحياة في دولة إسرائيل. إن هذا النداء الصادر عن قادة المؤسسة الدينية اليهودية الرسمية، يكشف على الملأ  وبشكل سافر، لاسامية إسرائيلية  منفلتة من عقالها لا تعيب العنصريين واللاساميين في أي مكان وأي زمان.
لقد بات مؤكدا أن حريق الكرمل قد أمسك بحكام إسرائيل وهم في حالة مزرية من العجز النابع عن القصور والإهمال الرسمي الإجرامي، في كل ما يتعلق بحياة الناس العاديين . كما أن ألسنة النار قد كشفت عمق الأزمة التي يغوص فيها المجتمع الاسرائيلي،  في ظل سياسة مأزومة، مستهترة بالاحتياجات المدنية لأوسع القطاعات الشعبية اليهودية والعربية، وعاجزة بشكل فاضح عن توفير أمن الناس الفردي والجماعي أمام ألسنة النار في الكرمل. وتشكل فضيحة العنجهية الاسرائيلية المهينة،  ظرفا كلاسيكيا لانفلات تنظيمات عنصرية تفتش عن كبش فداء، وبشكل أدق تخترع كبش فداء،  تحمّله مسؤولية الأزمة ليصبح متهما مسبقا "بتسميم الآبار" وإحراق الغابات.
وتحت ستار الدخان الكثيف الذي لف الكرمل وخنق الناس، أخذت تتسلل إلى بعض وسائل الإعلام تنظيمات فاشية متنوعة، مثل : "هشومير هحداش" ومنظمة "إم ترتسو"، تروّج لبرامجها وأجنداتها الظلامية والمعروفة سلفا، ليس من أجل إطفاء لهيب النار المستعرة في أحراش الكرمل وإنما بهدف الركوب على الكارثة لإذكاء لهيب التطرف الشوفيني والعداء للعرب والتعصب القومي، وإشعال حرائق أوسع من حرائق الكرمل وأشد خطرا تطال البلاد من أقصاها إلى أقصاها.
إن من يحترم التاريخ ويتعلم من دروسه، يعرف أنه ليس بالفاشيين وحدهم تنمو الفاشية ولا بفعل ممارساتهم  وحدها تمر. فالفاشية تنمو أيضا بفعل أولئك الذين بصمتهم يتواطؤون مع الفاشيين، وأولئك الذين يفترض أن يدقوا أجراس الخطر فيتقاعسون، وبفعل أولئك الذين يبهرهم الانفلات القومجي فيتساهلون معه ويدافعون عنه ويروجون له.  ومن ذلك قيام صحفي مثل يوعاز هندل في "يديعوت أحرونوت"، بالنفخ في رماد حرائق الكرمل، لاشعال نيرانه العنصرية وبث الكراهية القومية ("أعواد الكبريت قد خرجت من العلبة" - 7.12.2010)، واستماتته في تمجيد منظمات يمينية فاشية والتهليل لها لانها "قامت تطوعا بسد الفراغ الذي تركته سلطات القانون في دولة اسرائيل، وأخذت على نفسها، من خلال انتشارها الميداني، التصدي لظاهرة الاجرام العربي الآخذ بالاتساع ضد كل ما يرمز الى هذه الدولة".  
ومن ذلك أيضا أن يغمر الرضا والاعتداد بالنفس مقدم برنامج الصباح في القناة الثانية أفري جلعاد (5.12.2010)، وهو يحاور بانفعال ممثل منظمة "هشومير هحداش"، الذي أسهب بصلف وهو يشرح  كيف قام مع صحبه في المنظمة المذكورة، منذ اندلاع حريق الكرمل بأخذ الأمور بأيديهم، ومن دون أن ينتظروا أجهزة الأمن وقوات الإنقاذ، نجحوا في تجنيد ستمائة شاب (من خريجي الجيش غالبا)،  وخرجوا لتنفيذ عملية خاصة بهم، أعدوا لها من خلال "غرفة عمليات متقدمة" موازية لغرفة العمليات المتقدمة الرسمية التي أقامتها الشرطة وقوات الإنقاذ في جامعة حيفا، حيث قاموا بنشر هؤلاء "المتطوعين" في محيط البلدات العربية في الجليل، ونصب الكمائن والمناطر  "لمراقبة هذه البلدات وضبط مشعلي النيران المحرضين (بفتح الراء)، الذين من المنتظر أن يخرجوا من بلداتهم بهدف التخريب على الدولة وعرقلة جهودها الامنية". 
إن مثل هذا التحريض العنصري المنفلت على العرب، يحظى في إسرائيل اليوم بمنصة مركزية وببث مباشر، من دون أن يتصدى له أو يعكر صفوه أحد.
إن المعادلة يجب أن تكون واضحة ولا تقبل التأويل في هذا المجال. إن أي إهمال يؤدي إلى إشعال حرائق في الأحراش والجبال وغاباتها، أيا كان مصدره، هو إهمال إجرامي ينبغي مواجهته والتصدي له. وفي الوقت نفسه فإن أي إهمال سلطوي رسمي، يعيق جاهزية أجهزة الإنقاذ وخدمات الإطفاء في إخماد النار، هو إهمال أكثر إجراما وأشد خطورة  بما لا يقاس ، يتطلب المحاسبة وإنزال العقاب بالمسئولين.
 ومع ذلك، فإن أية محاولة منهجية، لتوجيه إصبع الاتهام إلى الجماهير العربية في إسرائيل، مباشرة أو ترميزا، وتحميلها المسؤولية  بشكل تلقائي عن حرائق الاحراش والغابات،  وتصوير تناقض مفتعل بين الجماهير العربية التي تعيش في وطنها الذي لا وطن لها سواه، وبين جمال محيطها الطبيعي الاخضر وأحراشه وجباله ومتنزهاته، ليست أكثر من محاولة عنصرية مقيتة، ولعبة خطيرة بالنار الحارقة  يدفع الجميع ثمنها. 
إن ما تعرض له الكرمل، من نار أتت على أجزاء واسعة من أجمل مواقعه،   مؤلم وحارق للجمهور كله كما أعتقد، إلا أنه أشد إيلاما، وأكثر حرقة  بالنسبة لهذا الجزء من  الجمهور، الذي ولد أجيالا تلو أجيال في قلب طبيعة هذا الوطن، وفي تفاعل مع جمالها وتكامل مع خضرتها ومع فيء سنديانها وظلال خروبها وصنوبرها، يصقل ثقافته ويجبلها منذ مئات السنين برائحة عشب الوطن  وأزاهيره  دون توقف. 

* نشر هذا المقال في الاصل بالعبرية في موقع "يديعوت أحرونوت" الالكتروني، واينيت - 8.12.2010)

قد يهمّكم أيضا..
featured

التصعيد الإسرائيلي.. والرد الوطني المطلوب!!

featured

نعم لسياسة العدل والاعتراف والمساوة

featured

موازنة غير متوازنة

featured

رغيف زيت الكرامة!!

featured

نتنياهو يهرب الى الانتخابات

featured

اتركوا للغير شيئا من "هداة البال": عرابة مثالا!

featured

هل لنتنياهو حكومة ظل يرأسها الايباك؟!