بدائل ممكنة للحل

single

*إما دولة مستقلة أو حل السلطة والنضال ضد نظام الأبارتهايد*

حين زرت جنوب أفريقيا سنة 2008 ضمن وفد القيادات السياسية العربية التي نظمه مركز عدالة، التقينا عددا من المسؤولين هناك والذين زاروا الأراضي الفلسطينية المحتلة وقالوا، وهم العارفون، ان ما يحدث في الأراضي الفلسطينية هو أسوأ من نظام الأبارتهايد الذي ساد في جنوب أفريقيا.
لقد عادت هذه الأقوال للذاكرة أثناء سماعي خطاب الرئيس محمود عباس في الأمم المتحدة حين قدم طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967. لا شك أن خطابه كان صريحا وقويا لكن أكثر ما لفت نظري وأشغلني في خطابه هو جملة وردت بين السطور قال فيها ما معناه: إذا استمر الوضع القائم فسيكون هناك خطر على بقاء السلطة الفلسطينية. لقد جاءت هذه الجملة علما بأن إسرائيل والولايات المتحدة، اللتين تعارضان إقرار الدولة الفلسطينية، معنيتان ببقاء السلطة الفلسطينية لأن وجود السلطة يغطي على بشاعة الاحتلال، ويحملها مسؤولية إدارة الأراضي المحتلة بتمويل ما يسمى الدول المانحة، والتي ليس أنها تُعفي إسرائيل من هذه المسؤولية بل أيضا تقوم بإخضاع السلطة، من خلال المنح المشروطة، للإملاءات الإسرائيلية والأمريكية. أما بالنسبة للشعب الفلسطيني فاستمرار هذا الوضع هو الأسوأ لأن السلطة في الأساس كانت سلطة انتقالية نحو الدولة المستقلة بحسب مراحل اتفاقية أوسلو. أما استمرارها بهذا الدور على مدار نحو عَقدين فقد أضعف مقاومة الاحتلال وحرر إسرائيل من مسؤولياتها وجعلها تتفرغ لتنفيذ مخططات الاستيطان وفرض الأمر الواقع مما يجعل استمرار السلطة بدورها أمرًا يبعد قيام الدولة الفلسطينية بدل أن يقربها.  
في هذا الواقع، الذي هو الأسوأ، من الطبيعي أن تدفع القيادة الفلسطينية نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية في أروقة الأمم المتحدة كمحاولة للخروج من حالة الجمود ولكن من غير المعقول أن تبقى  منظمة التحرير تستجدي الاعتراف بالدولة في السنين المقبلة دون أي بديل. لذلك يجب على منظمة التحرير مناقشة تحرك آخر لربما يكون هو أيضا أفضل من الوضع القائم ألا وهو الإعلان عن موعد تنسحب فيه السلطة من اتفاقية أوسلو إذا لم تتم إقامة الدولة الفلسطينية خلال مدة محددة، والإعلان عن حل السلطة الفلسطينية من جهة، والمباشرة بإعادة بناء وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير من جهة أخرى. عندما يتم حل السلطة الفلسطينية تصبح إسرائيل رسميا وبشكل مفضوح دولة أبارتهايد وبامتياز، الأمر الذي يُقصيها عن المجتمع الدولي أولا وكذلك يحمّلها مسؤولية إدارة شؤون الفلسطينيين الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والصحية مما سيكلفها الكثير، بدلا من استمرار تحمل السلطة الفلسطينية وما يسمى الدول المانحة لهذه المسؤولية. في مثل هذه الحالة يمكن للنضال الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير أن يتحول من المطالبة أو استجداء الاعتراف بدولة فلسطينية على 21% من أراضي فلسطين، إلى النضال المشروع لإسقاط نظام الأبارتهايد الإسرائيلي وترك كل بدائل الحل الأخرى مفتوحة.
في مقال سابق نشرته سنة 2008 أوضحت أن حق تقرير المصير أو الاستقلال القومي ليس هو الحل الوحيد الذي يضمن الرفاه الاجتماعي والكرامة القومية والإنسانية للشعوب، وذلك بناء على تحليل حال كثير من الشعوب التي حققت الاستقلال القومي في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية لكنها بقيت رهينة تحت سيطرة المؤسسات الاقتصادية الدولية والشركات العابرة للقوميات والتي تحدد في نهاية المطاف لكل هذه الدول "المستقلة" سياستها الاقتصادية ونموّها وبالتالي تحدد الأجور وأسعار السلع فيها وتبقي مصائرها ومصائر شعوبها متعلقة بـ "الإنفوزيا" التي تتيحها الدول الكبرى المسيطرة في العالم من خلال مشاريع الاستثمار ومن خلال مؤسسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها. ومن جهة أخرى أوضحت في ذلك المقال بأن هناك قوميات عديدة لم تحقق الاستقلال القومي خاصة في أوروبا (سكتلندا مثلا، أو قوميات عديدة في سويسرا وبلجيكا وغيرها من الدول) وأمريكا (الفرنسيين في كندا مثلا) والتي تعيش في نظام سياسي توافقي أو فدرالي أو كونفدرالي، ومع هذا فحال هذه القوميات أفضل بكثير من الدول التي حصلت على الاستقلال القومي. دراسة تجارب الشعوب تدل بشكل قاطع بأن الاستقلال القومي لا يضمن دائما كرامة الإنسان وحقوقه وليس هو الطريق الوحيد إليها، وأنه في حالات كثيرة جرى ضمان هذه الحقوق دون استقلال قومي.    
علينا أن نتذكر هنا بأن "اختراع" القوميات والدول القومية هو اختراع حديث حقق جلاء الاستعمار ولكنه لم يحقق دائما حقوق الشعوب وكرامتها كما جاء، وأصبح هذا الاختراع، أي الدولة القومية، أكثر عجزا في عصر العولمة الذي يجري فيها اقتصاد العالم وتفاعله الثقافي العلمي والتكنولوجي بشكل عابر للقوميات والدول مما حول نظام الدولة إلى نظام هامشي أمام النظام الاقتصادي المعولم.
تجارب الشعوب الأخرى في عصر العولمة يحتم علينا فحص جميع بدائل الحل الممكنة وعدم الانغلاق في حل الدولة الفلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل. وإذا كنا أمام نظام أبارتهايد إسرائيلي فلا بد هنا من التذكير بأن إنهاء نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا لم يكن من خلال إقامة دولة قومية بل من خلال دولة ديمقراطية يعيش فيها السود والملونين والبيض في دولة ديمقراطية واحدة.
تجارب شعوب العالم يجب أن تفتح أمامنا آفاق دراسة حلول مختلفة، بينها طبعا حل الدولة المستقلة شريطة أن تكون فعلا مستقلة، ولكن أيضا حل الدولة ثنائية القومية أو متعددة الثقافات أو أنظمة أخرى فدرالية أو كونفدرالية أسوة بكثير من دول العالم والتي تعيش فيها مجموعات قومية وثقافية متعددة.
أنا لا أدعو في هذه المرحلة إلى التراجع عن المطالبة بدولة فلسطينية مستقلة تضمن كرامة وحقوق الفلسطينيين، ولكنني أدعو إلى الإسراع في إعادة بناء وتطوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وفتح باب الحوار الوطني على مختلف الصعد لمناقشة البدائل الأخرى الممكنة وإبقائها مفتوحة، بل شملها في الاستراتيجية الفلسطينية. نتائج المطالبة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية ستختلف فيما لو استمرت السلطة الفلسطينية في مسار المفاوضات وفي إغلاق جميع البدائل الأخرى، عما لو أبقت جميع البدائل الأخرى مفتوحة بما فيها حل السلطة الفلسطينية والانتقال إلى النضال ضد نظام الأبارتهايد الإسرائيلي، عندها لا يمكن لحالة الجمود من الاستمرار. أما مرور السنين والسلطة تواصل بدون نهاية التغطية على الأبرتهايد الإسرائيلي وإعفائه من مسؤولياته كمحتل وإتاحة الفرصة له بمواصلة الاستيطان وفرض الأمر الواقع فلن يقرب الدولة الفلسطينية بل يبعدها ويجعلها مستحيلة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

فريد زريق، الإيثاري

featured

الذات المرهونة لدى الآخرين: مسلسل"خِرْبَة" كنموذج

featured

قرار النيابة العنصري غير مفاجئ

featured

مويل الهوى يمّا مويليّا

featured

جدران الصمت

featured

لغز هولاند أمام بصمة ساركوزي

featured

قاتل ناهض حتّر من حزب التحرير

featured

حين يصبح المناضل ملح الارض