جدران الصمت

single

*"مستشفى مراش" سجن الرملة*


في هذا المكان يسود الصمت بين هذه الجدران، ولا يسمع الا أنين المرضى او الجرحى وصرير الابواب السميكة والمزعجة جدا حين فَتْحها واغلاقها، وكأن الجلادين منعوها خصيصًا بهذه المواصفات، لكي تقلق راحة نزلاء هذا "المستشفى"، وكأن آلامهم لا تكفيهم في هذا المكان الضيق والخانق. يقاوم الأسير المريض او المصاب، كل عوامل العزل، وحالته الصحية السيئة وحالات التهميش ممن أملوا ان يسعون للافراج عنهم في اية مفاوضات او صفقات تبادل الأسرى، كنت اجلس مع كل واحد منهم واسمع حكايته مع المرض او مع الاصابة بالرصاص، يتكلمون جميعهم بشموخ، ولكن بغصة وأسى واصعب الحالات التي تدمي القلب وتُدمع العين لهول حالتها.. هم الاسرى – منصور موقدي، والذي مصارينه بارزة جدا عن بطنه، إثر اصابته بزخات من الرصاص من الجيش الاسرائيلي.
وكان قد مضى على مكوثه في هذا المكان والذي هو عبارة عن مدفن للأحياء اربعة عشرة عامًا، والأسير سامي ابو دياك المصاب بالسرطان بالأمعاء الغليظة، وكانوا قد اجروا له عملية جراحية بالمنطقة الخطأ، وصحته تتدهور كل يوم، ومحكوم عليه بالسجن المؤبد باتهامه بتصفية عملاء مع الاحتلال، اما الأسير خالد الشاويش (أبا قتيبة) من مخيم الفارغة وأصله من قرية قنبر لواء حيفا. كان اهله قد شُردوا على يد العصابات الصهيونية سنة 1948، فهو متهم بتصفية احدى عشر مستوطنا، ولقد اطلقوا عليه "قناص المستوطنين". ولقد خاض معركة لمدة ساعتين مع الجيش الاسرائيلي، قد اصيب في ظهره ويده اليمنى، مما احدث عنده شلل نصفي زائد شلل في يده اليمنى، يعاني منذ سنة 2002 من آلام حادة وبشكل يومي، ومُقعد طيلة الوقت، لقد توفر لي ان اسكن في الغرفة التي هو يتواجد فيها مع اثنين من اخوته ناصر المحكوم خمس مؤبدات، وهو شاعر وأديب، ومصاب برجله ولكنه لا يكف عن القراءة والكتابة. وايضا أخوهم محمد المحكوم لعدة سنوات (لا اذكر) وايضا نجل خالد واسمه قُتيبة والمعتقل في سجن الجلبوع، حقا انها لتضحيات جِسام تعبر عن عمق عشقهم لفلسطين وللحرية. في بريق عيون خالد – ابا قتيبة ورغم آلامه المبرحة، كنت أشاهد أسمى معاني الرجولة والصبر والشهامة، يتعالى على آلامه، وعلى الرغم من كونه مقعد، ويهتم لكل صغيرة وكبيرة على الساحة الفلسطينية والعالمية، ان الأسير المريض في مثل هذا المكان الموحش بصمته وبصرخات المرضى، يقف امام ابشع حالات القهر الجسدي والنفسي، ففي هذه المعركة الشرسة ما بين التشبث بالحياة والامل وما بين انتظار الموت البطيء، لا يملك الاسير الا الارادة والصبر والتحدي والشموخ وعزة النفس، يتعالى على الآلام الصحية وصبره على هذا الحصار الخانق للروح والجسد، يعيش الأسرى في هذا المكان على بصيص من الأمل بالرغم من كل النسيان الذي كان من نصيب كل واحد منهم من قبل المفاوضين وعاقدي صفقات التبادل.. تحية كفاحية وأخوية لكل الذين يقاومون كل عوامل الموت البطيء.. تحية الى كل نزلاء "مدفن الاحياء" مراش... تمنياتي لجميعهم بالافراج العاجل.
***
طز على هيك جنود – مشاهد مؤلمة من بين أروقة "مراش" في سجن الرملة 1-3-2016. الاسم – أيهم ناصر من مدينة طولكرم، عمره لا يتجاوز الاربعة عشر عاما، لأول مرة عندما نظرت اليه خمنت بأن عمره لا يتجاوز العشر سنوات، وذلك يرجع لصغر حجمه، وجهه طفولي، التهمة: مهاجمة جندي مستوطن في محلات رامي ليفي المشهورة، وطعنه بسكين وتصفيته على الفور.. كان عليّ ان أتصعب ان اسمع ما سمعته من ذلك الفتى لضعف بنيته ولكونه كما قال لي: بانه متفوق في المدرسة على ابناء جيله، بادرت وسألته: ماذا دفعك للقيام بهذا العمل؟ اجابني بلباقة وبلسان فصيح: "ان الاعمال الوحشية من قبل جنود الاحتلال، والاعتداءات المستمرة على مسجد الأقصى هي التي دفعتني لكي اقطع مشوار تعليمي الناجح وأهب مع بقية ابناء شعبي للدفاع عن حقنا في مسجد الاقصى وعن اهلنا ووطننا فلسطين". عجبت لفصاحته ولاطلاعه على الشؤون السياسية، وتبحّره بالمعلومات، وأسفت جدا لاضطرار امثاله وبهذا الجيل الغضّ والمبكر لامتشاق سيف النضال بدل ان يكملوا دراستهم ويؤمنون مستقبلهم. ولكن هذا هو واقع الشعب الفلسطيني، فأثناء طعنه للجندي هو وشريكه والذي يوازيه بالعمر كما أخبرني لانه لم يكن موجودا معه في نفس المكان وانما يعالج في مكان آخر. كان أيهم مصابا بعدة رصاصات في فخذه ويده، هذه الرصاصات قد اخترقته لحجمه الغضّ كلحم أعشاش الطيور، كان يحب دائما ان يناديني بعمي أبا تحرير، "تعال هنا احب ان اتحدث معك". وكنت اعجب بفصاحته وذكائه وطلاقة لسانه وسرعة بديهته. فعندما نظرت الى محياه، تساءلت بيني وبين نفسي، هل بلغ بجنود الاحتلال ان يُظهروا بطولاتهم على مثل هذا الفتى الغضّ؟!! في بداية تعارفي عليه، تحيرت هل احزن ام اضحك، لأنني لم اصادق مثل هذا الفتى منذ سنين طويلة، فعندما علم بأنني سأغادر، تأثر كثيرًا مثل بقية المرضى، قبلته من جبينه المشرق والباسم مع كل ما يعتري وجهه من مسحات من الحزن وقام هو بتقبيل يديّ غصب عني، حقا لقد شدّني بشجاعته وحسن خُلقه وذكائه، حينها قلت "طز على هيك جنود".



(سجن الجلبوع- قسم 4)

قد يهمّكم أيضا..
featured

منذ الأول من أيار وأثينا تتحوّل لشعلة نار

featured

حتى عودة صلاح الدين

featured

"يهودية الدولة" قانون عنصري بامتياز!

featured

درس في الانشاء

featured

واصل العزف على القيثارة ولو كانت مكسورة

featured

هل هي شهادة انقراض للمقاومة الفلسطينية؟

featured

شكرًا يا إيال جباي

featured

عين ماهل؛ مصلحة الطلاب أولاً