هي ثلاثة ايام لا غير، وفي اليوم الرابع "يتخلص" الاهل من ابنائهم، فحسْبهم ما عانوه من "شقونتهم" طيلة شهرين ونيّف. يعود "طلاب العلم والمعرفة" الى مقاعد الدراسة مكرهين. وربما تمنوا ما يطيل فترة العطلة حتى لو كانت الحرب بعينها. وثمة من يخطط لتقصير العطلة – الصيفية!! يغادرون بيوتهم صباح الثلاثاء القادم، لكن ليس قبل اجراء مسح شامل للرزنامة، لمعرفة متى تكون العطلة القادمة، وكم يومًا ستكون عطلة عيد الفطر او عيد العنصرة او اية مناسبة اخرى تكون مبررًا للغياب، كعرس الاخ او الاخت. ألم نكن مثلهم؟؟
مدارسنا تخلو اليوم، كما كانت تخلو من زمان، مما يشد الطالب اليها، الا اذا اعتبرنا قاموس بعض المعلمين، من الاهانات والالقاب، ونقل الحيوانات الموصوفة بالغباء ( ربما ظلمًا!) الى غرفة التدريس، نوعًا من التسلية، على الاقل بالنسبة للذين حباهم الله ببعض ذكاء، يجنبهم ما يتعرض له زملاؤهم.هل تعرفون مدرسة فيها حلقة (حوغ) رقص او رسم او جمباز او عزف؟ وهل تعرفون معلمًا ما زال طلابه من متوسطي الذكاء فما دون، يطرحون عليه السلام؟ اذا وجد فأنا اعتذر لهذه المدارس ولهؤلاء المعلمين. يعود الطلاب الى المدارس لانهم يجب ان يعودوا، فاذا بمعلم اللغة العربية يحاصرهم بما كان معلمونا يحاصروننا به في حصة الانشاء، بالموضوع الممجوج "كيف قضيت العطلة الصيفية؟" هذا اذا كان ثمة ما زال في المدارس شيء اسمه "انشاء".
في زماننا كنا نكذب ونحن نكتب، لكنه كذب يحفز الخيال ويطارد المفردات الشاردة كالظباء لاقتناصها، بجهده الذاتي او بمعونة من الاهل، والا فهل نكتب اننا امضينا العطلة في ما كان مقامًا لنا في ذلك الزمان؟ لعب البنانير والعواتيل ومفاقسة البيض!!
طبعا لا.
هل نقول: "تمتعنا" بزراعة التبغ وقطفه وشكّه وتعليقه وصندلته ورزمه، لكي يباع لاحقًا لشركات الدخان الاحتكارية بابخس الاثمان؟!
هل نقول: اشتغلنا في قطف الفاكهة التي زرعها الخواجة في ارضنا المصادرة والتي اهدته اياها الكيرن كييمت؟ لم يكن لدينا آنئذ هذا الترف من الوعي السياسي والوطني.
اذن نكتب. كنا نرافق الاهل الى شاطئ البحر. نتمدد على رمله الحارق ( لماذا لم نكتب، بعد ان ندهن اجسادنا بالكريمات الواقية)؟ ونسبح في مياهه الزرقاء الاخاذة، نغالب الموج. وكنا نسافر الى تل ابيب نتفرج على حيواناتها(التي يصفنا بها المعلم وغيرها)، ونطيل المكوث امام اقفاص "جدنا الاول" على ذمة داروين.
كنا نعرف ان كل ذلك "خرط في خرط" كذب، لكنه مبرر وبدونه تنخسف علامتنا. وكنا نعرف ايضا ان ذا الحظ السعيد وحده، ومن كانت امه "غريبة" مثلي، هو الذي كان يغادر القرية برفقة الوالدة في زيارة للاخوال في القرية المجاورة!
تلامذة اليوم غير مضطرين للكذب:فقسم منهم يكون قد سافر فعلاً الى اسبانيا او ايطاليا او فرنسا، او انطاليا او شرم الشيخ او الاردن على الاقل. لكنهم جميعًا قد طافوا العالم برمّته، حتى بدون ان تطأ اقدامهم سلالم الطائرات . فكبسة واحدة على الجهاز الشيطاني(او الملائكي)امامم يحضر العالم كله الى غرفتهم، حتى لو كانت محكمة الاغلاق حفاظًا على برودة المكيف او حرارته.
والكثيرون من تلامذة اليوم شاركوا في مخيم صيفي او اكثر . لا. الحكومة معفاة من هذا الهّم. بسبب ما تناصبنا من عداء .هي مستعدة ان توفر لنا خيامًا للجوء جديد في ارض شتات جديد، كما يخطط لنا الوزير ليبرمان القادم لا ادري من اية ...! وقد صدق مثلنا "الدار دار ابونا واجوا الغُرُب يطحونا" لكن "فشر".
المخيمات تقيمها جهات اخرى. فهذا مخيم جبهة وذاك مخيم تجمع، وثالث مخيم اسلامي ورابع للكاثوليك وخامس للارثوذكس، كل ذلك "لخدمة" الوحدة العربية . عاشت عاشت عاشت .
طيب واين السلطات المحلية؟
السلطات المحلية، كان الله في عونها . تكون في شهور الصيف مشغولة بما هو اهم ، لخدمة اجيالنا ووحدتنا وقضيتنا! وثمة فيها تخصصات، يقوم بها متنفذون من داخل السلطة او من خارجها من "المتطوعين"، ذوي المعاشات الدسمة. فهذا موظف ينبغي فصله، لان العشرات موعودون ويستحقون المكافأة على جهدهم الانتخابي. وذاك موظف يجب تهميشه وتعيين مسؤول عنه، يعدّ عليه انفاسه، الى ان يغادر من تلقاء نفسه "راضيًا مرضيًا" وهذا شارع خططه العهد "البائد"، يتعين استبداله بآخر لمصلحة المقربين . هنا روضة يجب نقلها الى مكان آخر، كي لا تبقى عند الخصوم او (الاعداء) . اذ لا يستوي العصاة والموالون. كل هذه المهام تقوم بها السلطة المحلية، فكيف نطالبها بالمخيمات.
ثم لا تنسوا مهمة اخرى. فبعض المتخصصين يقومون ايضًا بإعداد بيان بليغ يهنئون فيه التلاميذ بالعودة الى مدارسهم مكرهين . مؤكدين على ان التعليم والتربية وخدمة المواطنين بدون تمييز، تقف على رأس سلم اولوياتهم! مازلنا "شاطرين" في الانشاء!
اخيرًا دعوني بدوري اواسي تلاميذنا واتمنى لهم عبور التجربة المريرة بنجاح قائلاً لهم:تعلموا حتى لو كنتم غير راغبين. فلا شيء مثل العلم يجعلنا كشعب، نبقى في اطار الشعوب المنتمية الى هذا الزمان.
تقولون لي :انشاء؟
ليكن . لكنه انشاء صادق، وعطلة عيد الفطر قريبة، واهنئكم بها منذ الآن.
***
*تنقير
أمرت السلطات الحكومية حَمَلة الاسلحة المرخصة بتسليم اسلحتهم. قد لا يكون الهدف تبديل الاسلحة بل استبدال حَمَلتِها.
