الذات المرهونة لدى الآخرين: مسلسل"خِرْبَة" كنموذج

single

// مسلسل "خربة" يُبيّن كيف أن زعماء العائلتين يتنافسان بنفس الطريقة التي يتنافس فيها الأطفال في الروضات. الأطفال يتباهون مَن والده أقوى؟ أو أغنى؟ أو لديه سيارة أفضل؟ وكذلك زعماء العائلتين يتباهون مَن أبنه أفضل، أما الفرق الأساسي بين الحالتين، فهو في العنتريّة وفي طول الشارب

// لقد أبرز مسلسل "باب الحارة" أيضا العلاقة بين الذات والآخر. حسب رأيي فأن البطل في هذا المسلسل لم يكن المختار ولا أبو شهاب ولا أبو عصام بل "الآخر" الذي خضع إليه جميعهم رجالا ونساء، كبارا وصغارا. هذا الكائن غير المعرّف الذي يحسب له الجميع ألف حساب

لفت نظري مسلسل "خربة" بطولة دريد لحام، إلى ظاهرة كنت قد كتبت عنها من قبل وتظهر جليا بشكل كاريكاتيري بارز في هذا المسلسل الذي تعرضه قناة الجديد اللبنانية منذ بداية شهر رمضان. إنها ظاهرة تعليق قيمة الذات بموقف الآخر من هذه الذات وبالتالي تصبح هذه الذات رهينة بيد الآخر ليرفعها أو يسقطها كما يشاء. إنها ظاهرة شائعة في كثير من المجتمعات الجماعية التقليدية وخاصة في المجتمع العربي الريفي.
المسلسل يصف حياة خربة صغيرة فيها عائلتين كبيرتين: عائلة أبو قعقور وعائلة أبو مالحة. في كل حلقة يُعرض صراعا على مكانة كل منهما بقيادة زعيميهما الكبيرين اللذين يحلفان "بشواربهما" لهزيمة الخصم. وكيف يتم الانتصار أو الهزيمة؟ حين يحصل حفيد عائلة أبو مالحة مثلا على الدرجة الأولى في المدرسة، يجن جنون زعيم عائلة أبو قعقور ويقوم بكل ما يمكن، بما في ذلك تزوير الشهادة، من أجل إقناع الطرف الآخر أن حفيده هو الأول. لاحظوا هنا بأن قيمة عائلة أبو قعقور متعلقة برأي عائلة أبو مالحة فيها وليس بما تفعل هي وأعضائها.
وفي حلقة أخرى يسقط زعيم عائلة أبو مالحة عن البغل ويؤذي ظهره، إلا أنه يكابر وينفي وقوع الحادثة خوفا من شماتة وسخرية الطرف الثاني الذي يعمل كل ما بإمكانه لجعل ذاك الزعيم سخرية لكل أهل القرية على وقعته تلك. لاحظوا هنا كيف أن قيمة عائلة أبو قعقور تتحسن إذا قللوا، ولو جورا، من قيمة عائلة أبو مالحة. وفي حلقة أخرى يقوم زعيم عائلة أبو مالحة بنصب لافتة كبيرة على الدار تشير إلى أن ابنهم دكتور أسنان لإغاظة الطرف الآخر الذي لم يتوان ويقوم بنصب لافتة أكبر ومضاءة باسم ابنهم وبتخصصات ليست حقيقة. 
هذا العرض الكاريكاتيري يعكس ظاهرة حقيقية ما زالت شائعة في مجتمعنا ولو كانت غائبة عن وعينا والتي تتلخص بأن قيمة الذات الشخصية والجماعية لا تتعلق بأفعال أو إنجازات صاحبها، بل تتعلق بأمرين آخرين: بالقدر الذي ينجح فيه بكسب تقدير الآخر له، أو بقدرته على التقليل من قيمة الآخر والاستخفاف به وكلاهما نهجان طفوليان كما سأبيّن لاحقا. بكلمات أخرى: ليست العلامة المدرسية للولد أو الشهادة الطبية هي التي تحدد قيمة أصحابها بل المهم أن يقتنع الطرف الآخر، المنوي هزمه، أن هذه العلامات أو الشهادة هي الأفضل. هكذا تتحدد مواقف الناس من أعمالها وأعمال ذويها وتتحدد قيمة هذه الأعمال ويتحدد سلوكها. ليس المهم ماذا تشعر تجاه ما تفعل بل الأهم هو ماذا سيقولون عما تفعل. ففي الوقت الذي تريد إثبات تفوقك على غيرك تصبح رهينة لديه إذ تحوله إلى صاحب القرار بتحديد قيمتك.
تظهر هذه الظاهرة جليا اليوم في مجال تعامل الأهل مع علامات أولادهم في المدرسة وتظهر أيضا في فترة الأعراس الحالية حيث تجري جميع ترتيبات العرس ليس وفق ما يرغبه العروسين بل وفق ما سيقوله الناس ووفق حاجة أصحابه لإبهار الجميع بهذا العرس. إي أن قيمة العرس وأهله تتحدد بما سيقوله الناس الذين أردت إبهارهم وإثبات علوّك عليهم.  
وحين تقع عائلة ما في ورطة، مثلما وقع زعيم عائلة أبو مالحة عن البغل، تكون مشغولة بما سيقوله الناس أيضا. أما الناس فبعضهم ينشغل بمساعدة هذه العائلة،  أما معظمهم فينشغل بالنميمة وإصدار الأحكام على تلك العائلة. هكذا يشعر كل فرد في المجتمع بأنه يملك حق إصدار الحكم على الجميع ويمارس سيادته على الجميع بينما لا يملك سيادة على نفسه لأنه خاضع هو الآخر لسيادة غيره وحكمهم عليه.   
نهج بناء الذات على انتزاع اعتراف الآخر وتقديره أو على التقليل من قيمة الآخر، هو نهج طفولي لأنه شائع ويكون طبيعي في جيل الطفولة حين يكون الطفل عاجزا عن الاعتماد على نفسه ورأيه وقيَمه في تقييم ذاته، بل يعتمد على ما يقوله والداه وذويه عنه. فبغض النظر عن معطيات الطفل، إذا امتدحه أهله شعر بالثقة بالنفس وإذا انتقده أهله شعر بالانحطاط. مسلسل خربة يبين كيف أن زعماء العائلتين يتنافسان بنفس الطريقة التي يتنافس فيها الأطفال في الروضات. الأطفال يتباهون مَن والده أقوى؟ أو أغنى؟ أو لديه سيارة أفضل؟ وكذلك زعماء العائلتين يتباهون مَن أبنه أفضل، أما الفرق الأساسي بين الحالتين فهو في العنتريّة وفي طول الشارب.
لقد أبرز مسلسل باب الحارة أيضا العلاقة بين الذات والآخر. حسب رأيي أن البطل في هذا المسلسل لم يكن المختار ولا أبو شهاب ولا أبو عصام بل "الآخر" الذي خضع إليه جميعهم رجالا ونساء، كبارا وصغارا. هذا الكائن غير المعرّف الذي يحسب له الجميع ألف حساب.  في مثل هذه المسلسلات تتكرر عبارات مثل "رأس مال الإنسان سمعته" أو "البهدلة". جيد أن يتصرف الإنسان بشكل يحقق سمعة طيبه ولكن من الخطأ أن تتحول هذه السمعة إلى هدف بحد ذاته تجعل الإنسان عبدا لرضا وتقدير الآخرين وتجعله لا يجرؤ على التصرف باستقامة وصدق وفق قناعاته خوفا من فقدان هذا الرضا، أو أن يبني السمعة الطيبة من خلال المرآة أو التستر أو التظاهر أو الكذب الذي هو أيضا ليس غائبا عن سلوكيات الناس ذوي "السمعة الطيبة" في مجتمعنا.
في إحدى المحاضرات التي قدمتها لمهنيين عرب ويهود عن الذات والآخر في مجتمعنا،  وعن خوف الناس من "الآخر"، وعن اهتمامهم بكسب رضاه بكل طريقة، حتى على حساب ذواتهم أو على حساب الاستقامة، قام أحد المشاركين العرب وقال محتجا أن محاضرتي "تبهدل" العرب. كان بإمكان هذا المشارك أن يناقش محاضرتي وينقض طرحي من خلال شواهد اجتماعية، إلا أنه بدل ذلك كان مشغولا بما سيقوله اليهود عنا. وهكذا جاء سلوكه شاهدا حيا على صحة طرحي: ليست الحقيقة هي الأهم، بل ماذا سيقولون.
ليس أن الفزع مما يقولون يدفع الناس إلى المرآة والكذب فحسب، بل له دور أيضا في ظواهر خطيرة في مجتمعنا مثل ما يسمى القتل على خلفية شرف العائلة. طبعا هذه ظاهرة مركبة تتداخل فيها عدة عوامل لا مجال لتحليلها هنا، إلا أن أحدها هو خوف أهل المرأة من "الفضيحة" و"البهدلة" و "الوصمة"، أي مما سيقوله الناس عنهم. يدفع هذا الخوف أحدهم أو أكثر إلى قتل الضحية قربانا لكسب رضا الآخرين ونفي الفضيحة عنهم. إن الحفاظ على شرف العائلة كما يفهمه هؤلاء الناس ليس متعلقا فقط بما فعلته المرأة بل هو متعلق في الأساس بما سيقوله الناس ليصبح هذا الخوف هو دافع أساسي للقتل. إن درجة الخوف على "السمعة" لدى هؤلاء الناس أعلى بكثير من درجة خوفهم من السجن. فإذا كانت السمعة هي الأساس هنا، أعتقد أنه يتوجب على مجتمعنا تطوير وصمة مضادة تردع من يريد الإقدام على القتل: وصمة الهمجية والجبن والكفر ونفي صفات الشجاعة والرجولة والشرف عنه.   
في تراثنا الكثير مما يمكن الاستفادة منه للتحرر من التعلق برأي الآخرين، كالمثل القائل "الكلام من صفات المتكلم". أنا أضيف إليه أن الكلام عن شخص ما أو إبداء رأي فيه، لا يدل في كثير من الأحيان على ماهية هذا الشخص بل عن القائلين، لذلك يمكن أن تسمع من أناس عدة أوصافا مختلفة عن نفس الشخص. فمن يغار منه يمكن أن يطلق عليه أوصافا سلبية ومن يحبه أو يريد التقرّب منه يغدق عليه أوصافا إيجابية. وهكذا فالأقوال تدل في الأساس على ماهية أصحابها وعلى نواياهم. لذلك فقيمتها هي لفهم الآخر ومعدنه وليس لفهم الذات التي يمكن أن تفهم بحسب سلوكها وإنجازاتها.
أستقبل في عيادتي الكثير من الناس الذين يعانون اكتئابا أو قلقا أو ضغطا نفسيا يكون في أساسه ناتجا عن عدم تحررهم من عبودية رأي الآخرين فيهم وعدم قدرتهم على تكوين استقلالية نفسية وامتلاك سيادة على الذات. جميعهم يعتقدون أن مصدر معاناتهم هو الآخر وتعامله معهم، ويحاولون عبثا على مدار سنين تغيير هذا الآخر إلى أن يصلوا إلى حالة عجز ويأس واستسلام. لو أن كل فرد أدرك أن قيمته متعلقة به وبأعماله فحسب، وأن أمامه اختيارات عدة ليواجه هذا الآخر ويحمي نفسه منه دون تغييره، لاستطاع الجميع بناء ذواتهم بأحسن حال وحماية صحتهم النفسية والاجتماعية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

صناعة اللاجئين اليهود

featured

لـَ "خبطة" القائمة المشتركة!

featured

خيبة الامل على قدّ الامل

featured

الديمقراطية الإسرائيلية: قصاصةٌ من ورق وصندوق خشب

featured

توفيق طوبي - خالد مدى الدهر ..

featured

"آن أوان الأنقضاض على مقاعد الكنيست"

featured

مبادرة "اشهر الضباب الستة"!

featured

الخدمة المدنية: ما بين الترويض والترهيب