*في بداية التجنيد التطوعي وبالأخص للشرطة، التقيت مع احد المتحمسين من بلدي وحذرته من مغبة ما يقوم به موضحًا له الهدف من وراء هذه السياسة، لم يكد يمر شهران وإذ بي التقي به بمحض الصدفة مُخبرًا إياي بأنه استقال من الخدمة في سلك الشرطة لأن الشاباك استدعاه وحاول تجنيده واستغلاله كمخبر ضد أبناء بلده. ان هذا مثال بارز لما ستؤول إليه مثل هذه الخدمة فإنها حتمًا تصب في مجرى سياسة الترويض والى العمى السياسي والى إفراغ الإنسان الفلسطيني حتى من قيمه الإنسانية*
منذ قيام هذه الدولة على أنقاض الجزء الأكبر من شعبنا الفلسطيني ونتيجة لتشريده إلى خارج الوطن، والأجهزة السياسية والأمنية تضع الخطط تلو الخطط من اجل الإجهاز على البقية الباقية منه على ارض الوطن، إن كان هذا من خلال برامج مُشوَّهة ومُشوِّهة لا تمت لواقعنا وتراثنا بأي صلة أو من خلال توظيف معلمين ومديرين عن طريق الشاباك ورضاه، شرط ان يكون هذا التوظيف متساوقًا مع سياساتهم الترويضية ومرافقًا لذلك محاولات الأجهزة الأمنية وضع العراقيل أمام أي محاولة لتوظيف المعلمين الشرفاء والمخلصين – الذين طُرد بعضهم وبقي آخرون بصلابة رغم المضايقات- وتشجيع من هم خنوعون وطيِّعون للامتثال لتوجيهاتهم.. ليس هذا فقط وإنما انتهاج سياسة الفساد والإفساد داخل المجتمع الفلسطيني، من خلال دس العملاء وبث الإشاعات المغرضة ضد أبناء المجتمع الواحد ويتبع هذا بالانتخابات المحلية من اجل إيصال شخصيات عميلة وخنوعة إلى سدة المنصب لرئاسة سلطة محلية داخل قرانا ومدننا العربية الفلسطينية، ويتبع ذلك سياسة الترهيب والترعيب من الأحزاب الوطنية إن كانت قومية أو إسلامية أو شيوعية، وبث الدعايات الرخيصة بان مثل هذه الأحزاب ستجلب المتاعب والويلات للمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل.
فمن اجل ترويض ما تبقى من شعبنا داخل وطنه.. خصصت هذه الأجهزة على اختلاف أدوارها ومراكزها خبراء صهاينة أو من العرب المتصهينين من اجل اختراق هذا المجتمع وترويضه، وذلك من خلال التعرف الجذري على عاداته وسلوكه وثقافته وتراثه وكل تفاصيل ومركبات حياته، لكي يسهل عليهم التحكم والسيطرة التامة على هذا المجتمع.. بحيث يكون بالإمكان أن يتخلى هذا المجتمع تدريجيًا عن قيمه وتاريخه وهويته الوطنية وأيضًا أسرلته وفصله عن بقية أبناء شعبنا في كافة أماكن تواجده. فالقلق يسود أوساط هذه الأجهزة القمعية والتآمرية عندما تشعر هذه الأجهزة بالوعي السياسي والوطني عند جماهيرنا.. فسرعان ما تكشر هذه الأجهزة عن أنيابها مبرزة كل ما لديها من آليات القمع والترويض، وما ابرع هذه الأجهزة بابتكار العديد من الأساليب اللاانسانية من اجل الإجهاز على هذا القطاع الهام والجذري من أبناء شعبنا الفلسطيني، لأن هذه الأجهزة تعتبر بأن العرب الفلسطينيين الباقين في وطنهم يشكلون شوكة في حلق هذه الدولة، وكم من وزير صرح عن قلقه حول هذه القضية.
*محاولات صهينة *
فعلى مدار 64 عامًا أي منذ النكبة حتى الآن لا تكف هذه الأجهزة بشقيها السياسي والأمني عن محاولة البحث عن شتى المداخل وطرق الاختراق من اجل صهينة مجتمعنا الفلسطيني أو شل قدرته على النهوض.. وإن آخر تقليعة خبيثة وماكرة والتي يُطبل ويزمر لها الفاشي ليبرمان وذلك من خلال تهديداته الهمجية متوعدًا شعبنا بسحب المواطنة منه إن لم ينخرط في الخدمة المدنية، هذا الفاشي والغازي القادم من بلاد الثلج روسيا ليستعرض أمامنا عضلاته ووحشيته، فهو يعتقد من خلال عقليته الفاشية بأنه قادر على سلخنا عن جذورنا. والحجة الخبيثة والتي تتستّر من خلالها الدعوة للخدمة المدنية هي.. خدمة بلداتنا وخدمة المرافق الاقتصادية والطبية والى ما هنالك من مبررات الهدف منها الوصول إلى الهدف النهائي بشكل تدريجي - وهو الخدمة في سلك الشرطة كما يجري حاليا ومن ثم الجيش.. أي أن يحارب الفلسطيني أخاه من الطرف الآخر وحتى من الداخل إن حدث واندلعت مظاهرة احتجاجية ضد أي مصادرة أو أي هدم للبيوت.. وبعدها ومن خلال تشخيص كل حالة وكل شخص على حدة حينها يتم تصنيفه وإرساله إلى المكان المناسب.
وفي بداية التجنيد التطوعي وبالأخص للشرطة، التقيت مع احد المتحمسين من بلدي وحذرته من مغبة ما يقوم به موضحًا له الهدف من وراء هذه السياسة والى أين ستقوده حتما إن استمر بذلك، لم يكد يمر شهران وإذ بي التقي به بمحض الصدفة مُخبرًا إياي بأنه استقال من الخدمة في سلك الشرطة لأن الشاباك استدعاه وحاول تجنيده واستغلاله كمخبر ضد أبناء بلده. ان هذا مثال بارز لما ستؤول إليه مثل هذه الخدمة فإنها حتمًا تصب في مجرى سياسة الترويض والى العمى السياسي والى إفراغ الإنسان الفلسطيني حتى من قيمه الإنسانية، وكل هذا لكي يسهل على هذه الأجهزة بشقيها الأمني والسياسي تحويلها إلى دُمى يحركونها كيفما يشاؤون أو كعجينة يصنعونها كما يرغبون من اجل خدمة مصالحهم ودولتهم الصهيونية والتي يعلنون ليل نهار بأنها "دولة يهودية فقط". أي اننا غرباء في وطننا. لقد بلغت بهم الوقاحة السياسية والأخلاقية ان يتنكروا لحقوقنا في هذا الوطن والذي نحن نتواجد على أرضه قبلهم وقبل أجدادهم.
لم يكتفوا بسرقة الأرض والتاريخ وكيفية صناعة الحمص والفلافل والموسيقى والجغرافيا وإنما يستميتون لاغتيال عقولنا ووجداننا. فمن اجل ان نخدم مجتمعنا لسنا بحاجة لأن يفرض علينا قسرًا أي غريب ومعاد لطموحاتنا الوطنية ولكرامتنا. فمهما تنكّروا لجذورنا على هذا الوطن فالمثل يقول: "إن الشمس لا تُغطى بغربال". ان كل معالم هذا الوطن تدل على وجودنا فيه منذ الأزل.. ان كل دالية وصبرة وزيتونة وتينة وكل عرق سريس وزعتر وعكوب وشومر يشهد على وجودنا وتجدّدنا على هذه الأرض. ان الخبراء بالشؤون العربية لا يبحثون من خلال خبرتهم عن كيفية التعايش والتفاهم والنديّة مع المجتمع العربي وإنما على العكس فإنهم يبحثون عن ترويضه وتدجينه وتدميره من الداخل.. في نفس الوقت يدّعون بأنهم حضاريون وديمقراطيون ويحبون السلام.. في الوقت نفسه فإن تنكرهم لحق شعب مشرد ومظلوم وأيضًا بناءهم المستوطنات من خلال مصادرات عشوائية للأراضي الفلسطينية يدل على عكس ذلك تمامًا. وأود ان أقول في هذا السياق بأنه مهما تفننتم باختلاق أساليب وسياسات الهدف منها تدمير مجتمعنا العربي الفلسطيني، فإن ثقتنا في هذا الشعب كبيرة جدًا فمثلما افشل الأساليب السابقة فهو حتمًا قادر على إفشال السياسة الحالية والسياسات اللاحقة والهادفة إلى طمس هويتنا الوطنية. هذا الشعب العظيم والذي دفع على مذبح الحرية مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والمنفيين، ان هذا الشعب قادر أن يصنع الحرية يوما ما مع كل قوى التقدم في العالم وبمساندتها ومساندة القوى اليهودية التقدمية. فمهما طال الظلم ومهما صفعت هذا الشعب عواصف المآسي ومهما أغرقتموه بالدماء والويلات والاغتيالات والسجون، فلا بد لهذا المارد ان يخرج من قمقمه لكي ينتصر للحق وللعدل وللسلام نحو بناء دولة علمانية ديمقراطية خالية من العنصرية والقمع والاضطهاد والاستغلال ومن الفوارق الطبقية لأن الحرية أقوى من العبودية والظلم. ان حقنا كبشر ومن جميع الشعوب ان نعيش بكرامة. ان الحق أقوى من كل جبروت الجلادين والطغاة.
لا للخدمة المدنية وتبعاتها – نعم للمبادرات التطوعية في بلداتنا من خلال قراراتنا وقناعاتنا – تحية لكل الأحزاب ولكل الفعاليات داخل الخط الأخضر والتي تتصدى لمثل هذه السياسات الترويضية.
* رأس حمار ولكنه جسم إنسان
إن هذا أسلوب إغراء من الأساليب التي استعملوها لتشجيع الشباب للانخراط في الخدمة المدنية وبالأخص التطوع في سلك الشرطة. ويُعدّ هذا الأسلوب استخفافا كبيرًا بعقول ونمط تفكير الشباب العربي الفلسطيني في الداخل.. ذات مرة التقيت بأحد الشباب المتطوعين في الشرطة، فما ان رآني حتى بادر بسحب بطاقة من جيبه قائلا لي: "انظر ما أهدتنا إياه الشرطة. بطاقة شرطي دولي. هل هذا لا يعد احتراما وتقديرًا لنا ورفعًا من مكانتنا؟". حينما سمعت منه هذا الكلام، احترت هل اضحك أم ابكي على مثل هكذا حالة وقلة وعي فبعد عدة ثوان، اخترت ان اشرح له سطحية هذه المنحة وسخافتها وما يقف وراءها قائلا له: أنا متأكد بأنه لو تخدم 40 سنة في سلك الشرطة في إسرائيل.. لا يمكن ان يبعثوك إلى الخارج إلى تنزانيا أو البرازيل أو غيرها من الدول لكي تنظم حركة السير أو لكي تلاحق المخالفين للقوانين هناك. هذه البطاقة يا صاحبي الفصيح، كما يقول المثل الشعبي عندنا "ضحك على الذقون".. هل تدرك ذلك؟ ما الفائدة من بطاقة تضعها في جيبك للذكرى؟! ان الهدف منها هو إغراء الأشخاص أمثالك للانخراط في سلك الشرطة مستخفين بعقولكم وضاحكين على لِحاكم وذقونكم لأنهم ما زالوا يتعاملون مع مجتمعنا كما كانوا يتعاملون في السابق.. ومع الأسف فإنهم مازالوا يجدون أمثالك.. فالأفضل ان تصحو على نفسك وأن تزيل الغباش الذي يغطي عينيك. ان هذا عار وعيب لعقولكم. فلو منحوك خمس مئة بطاقة دولية فبماذا سيفيدك ذلك. ان هذا يجلب لك قلة الاحترام، لقد دخل هذا الشخص في غيبوبة من كلامي معه ولم يدرِ بماذا يجيبني.. لقد تركني ومشى وكل واحد منا سار في سبيله.
واختتم مقالتي هذه بما قاله الشيخ ناصر الدين وهذا رد على كل الذين يتهافتون للعق أحذية مضطهديهم.. حيث قال في هذه الأبيات من الشعر:
عجبًا لمن طلب المناصب جاهلا ان المناصب لا تدوم لأحمق
خلعوه ساعة وظفوه، فكان في رجل الحكومة كالحذاء الضيق
(الأسير السياسي وأسير الحرية – ابو تحرير– سجن الجلبوع – قسم 2)
