شاء القدر أن يلبي أبو فراس نداء ربّه وأنا في بلاد الغربة. تعذّر عليّ أن أشارك في إلقاء النظرة الأخيرة على وجهه السمح، وفي مراسم تشيعه إلى مثواه الأخير.
ربطتني بأبي فراس، بل بأبي الفرسان، علاقة متينة منذ جاء لاستكمال تحصيله العلمي في مجال اللغة العربية وآدابها في جامعة حيفا. كنت قد سمعت عنه الكثير، وتعرّفت على كريمته نجوى وابنه فراس أثناء دراستي للقب الأول في جامعة حيفا، وعلى ابنيه عصام وأمير اللذين برزا في قيادة الحركة الطلابية في هذه الجامعة عندما عدت لأدرّس فيها. وأعجبت كثيرا بكلامه أثناء لقاء إذاعي معه، برز خلاله عاشق العربية، المربي ورب الأسرة الرؤوف المحب والفخور، ورجل المجتمع-على تقاليده وأعرافة- بامتياز.
لم يكن غريبا، إذن، أن تعروني تلك الرهبة عندما أعلمني باسمه وهو يجلس بين من جلس من الطلاب في غرفة التدريس الجامعية في إحدى محاضراتي. ثم ازداد حرجي عندما قال لي، بعد الحصّة، بأنه التحق بهذا المساق لكي يحصل على العلامة التي تؤهله لاستيفاء ما وضع أمامه من شروط لقبوله للقب الثاني. قلت في نفسي: "هل يمكن أن يعامل هذا الأديب، سيّد اللغة، مربي الأجيال، معاملة غيره من الطلاب في مثل هذه الظروف"؟
جاءني الجواب بعد عدّة لقاءات؛ لم يكن يبحث عن الطريق السهل، و"توظيف" الاسم و"الرصيد" للوصول دون حق؛ كان مندفعا لخوض غمار البحث العلمي، والتعرف على أدوات البحث وآلياته الحديثة، وتقديم ما يفرض عليه من أوراق عمل، بخطه الرائع، دون الاستعانة بآلات الطباعة والحواسيب. ما علّمه لطلابه في بداية رحلته في التربية- كما يشهد على ذلك النشيد الذي نشره الكاتب القاص محمد نفاع- وزرعه فيهم من حب المثابرة والكد والجد؛ كان كلام الفيلسوف العالم الذي يعمل بما عَلِم وعَلّم.
أتخيله الآن، كيف كان يجلس، وهو الشيخ الجليل، دون تذمّر أو تأفّف، لدراسة بعض المراجع، ومنها ما كان باللغة الإنجليزية، وتحضير ما التزم به من أوراق عمل عن أدب المقامات أو فكر المعتزلة وأدب الجاحظ، وأذكُر كيف كانت علامات الرضى والاعتزاز تكلل وجهه السمح وهو يقدّم بعض تلك التقارير.
رحمك الله يا مربي الأجيال، الصديق الصدوق، صاحب الوجه الطلق، والتحيّة النُعمانيّة الأصيلة، وأسكنك فسيح جنانه، وألهم زوجك وبناتك وأبناءك وآل مخول الصبر وحسن العزاء. ولتكن ذكراك العطرة الطيبة مؤبّدة.
(الرئيس السابق لقسم اللغة العربية في جامعة حيفا سان دييغو، كاليفورنيا)
