أطفال ناجون من "أوشفيتس" وقد أنقذهم الجيش الأحمر خلال دحره الوحش النازي
*زيارة محمد بركة، وفي وفد برلماني، هي خطوة هامة، وهو مشكلة لليمين الإسرائيلي، الذي يحاول أن يجعل العرب مشجعين، بالقوة، للنازية لمواصلة استدرار عطف العالم على سياسة الاحتلال ودوس حقوق الشعوب، ولمواصلة عملية التزوير الكبرى*
الأمر الطبيعي هو أن يرفض اليمين الإسرائيلي المتطرف أن يشارك النائب محمد بركة في وفد إحياء ذكرى ضحايا النازية، بل من الطبيعي أن يعمل كل ما في استطاعته لإلغاء هذه المشاركة. وقد فعل.
اليمين الإسرائيلي يريد مشاركًا من نوع آخر، يريد مشاركًا في جوقة لا تعترف بالكارثة، ولا تعترف بما اقترفته آلة القتل النازية ضد اليهود وضد الشعوب الأخرى. هذه الجوقة تلتقي مع أهواء اليمين، واليمين المتطرف بشكل خاص، فعلى أساس هذا الموقف تعمل آلة الدعاية الرسمية الإسرائيلية، لتثبت للعالم بأن العرب يريدون القضاء على دولة إسرائيل، بالضبط كما فعل النازيون من قبلهم باليهود.
والحقيقة أنه لا يوجد في التاريخ المقروء تزويرًا للتاريخ بالحجم الذي جرى فيه بالنسبة لمأساة الشعب الفلسطيني. لقد اعتمد هذا التزوير على أمرين:
- اعتمد، أولاً، على قدرة الحركة الصهيونية على إظهار الفلسطينيين وكأنهم يسعون للقضاء على اليهود، بالضبط كما فعل هتلر. واستطاعت هذه الحركة لسنوات طويلة تضليل العالم، وتضليلنا نحن أيضًا، أن اليهود في العام 48، كانوا على شفا كارثة ثانية، بعد الكارثة التي حلت بهم وبغيرهم على أيدي النازيين، هذا في الوقت الذي تم فيه اقتراف جريمة تطهير عرقي ضد الشعب الفلسطيني، حين وجدت أغلبية هذا الشعب نفسها خارج الوطن في صحاري الغربة وعلى رؤوس الجبال الباردة.
لا يوجد تزوير أكبر من هذا التزوير في التاريخ؟ كيف تم إقناع العالم بهذه الفرية، فرية عدوانية العرب، في الوقت الذي لم يتم فيه احتلال بلدة يهودية واحدة، ولم يُطرد يهودي واحد من بيته، ولم يُفرض منع تجول على حي يهودي.. ومع ذلك فانطباع الرأي العام أن اليهود كانوا عرضة لخطر الإبادة.
- واعتمد هذا التزوير، ثانيًا، على "المساهمة" التي لا تقدر بثمن من قبل القيادات العربية، التي أوهمت العالم، وشعبها قبل ذلك، بأنها قادرة على هزيمة الصهيونية وطرد اليهود من فلسطين، وبزّهم جميعًا رئيس الوزراء العراقي آنذاك مؤكدًا أن "كل ما يلزمنا من أجل رمي اليهود في البحر بضعة مكانس" ("إطلالة على لقضية الفلسطينية" لعبد المجيد حمدان ج. 2).
اليوم يتم إكمال هذه "المسيرة المظفرة"، بالاعتماد على منكري النكبة، وكان أحدًا طالبهم بالدفاع عن النازيين، في الوقت الذي يعترف فيه الرأي العام الألماني بالأهوال التي ارتكبها النظام النازي البشع.
على كل حال، ومن أجل وضع الأمور في نصابها، من المفيد العودة إلى جذور القضية الفلسطينية.. في أوروبا، وليس في فلسطين. فمن المفيد أن نذكر هنا، أن اللجنة التي شكلتها الأمم المتحدة لبحث قضية فلسطين، قامت، أول ما قامت به، بزيارة معسكرات اليهود الناجين من براثن معسكرات الموت النازية، وحينها أعلن ممثلو الحركة الصهيونية أمام اللجنة عن استعدادهم لتوطين هؤلاء في فلسطين، وكان ذلك الاستعداد بمثابة صك الغفران لأنظمة الدول الأوربية حين حررتها الصهيونية من دفع التزامها المادية والأخلاقية نحو اليهود.
ولم تكترث هذه الأنظمة، آنذاك، فيما إذا كان ثمن صك الغفران هذا هو تشريد شعب بأكمله في فلسطين البعيدة. وكما يظهر فقد عرف هؤلاء القادة المثل العربي الذي يقول: بعيد عن القلب بعيد عن العين.
ولذلك فإن تاريخ المأساة الفلسطينية مرتبط إلى حد كبير بنشوء قضية الناجين اليهود، الذين شكلوا عبئًا على أوروبا المثخنة بالجراح، الخارجة للتو من أتون الحرب العلمية الثانية. ولذلك فأوروبا الشريكة في إحداث الكارثة التي لحقت بالشعب اليهودي خلال الحرب، بصمتها لفترة طويلة عن الجرائم النازية، هي أيضًا شريكة بعد الحرب بغسل يديها من هذه الجريمة بإلقاء هذا العبء الثقيل على أكتاف الشعب الفلسطيني.
ولذلك فإن إدانتنا للنازية، ليست فقط واجبًا أخلاقيًا إنسانيًا رفيعًا، ارتبط بصميم وجهتنا الفكرية التقدمية، منذ أيام خلت، بل هو واجب وطني من الدرجة الأولى فنحن أيضًا، شاء من شاء وأبى من أبى، ضحية للنازية وضحية للأخلاق الوضيعة، التي ألقت بوزر نتائج جريمتها على الشعب الفلسطيني.
نعم، نحن أيضًا، في مكان ما، ضحايا النازية، ومن واجب محمد بركة وواجب قيادات الجماهير العربية، وكذلك واجب القيادات الفلسطينية أن تذهب لأوروبا، وأن تقول لهم ماذا فعلتم بنا؟ شعب بأكمله هائم على وجهه منذ ستين عامًا، بسبب العنصرية التي نشأت لديكم، وبسبب الفاشية التي نشأت لديكم وبسبب النازية التي نشأت لديكم.. فلماذا جعلتمونا الضحية التالية. وبالتالي، وبلغة اليوم، هنالك استحقاقات على أوروبا، وبالذات ألمانيا، عليها أن تدفعها للشعب الفلسطيني. وهذا بالضبط ما لا يريده غلاة اليمين المتطرف. إن بركة، المناضل الوطني في كل شأن وشأن يخص شعبه، بالنسبة لهم هو تذكير بالوجه الآخر لضحايا الجريمة النازية، التي تطالب باستحقاقاتها.
زيارة محمد بركة، وفي وفد برلماني، هي خطوة هامة، وهو مشكلة لليمين الإسرائيلي، الذي يحاول أن يجعل العرب مشجعين، بالقوة، للنازية لمواصلة استدرار عطف العالم على سياسة الاحتلال ودوس حقوق الشعوب، ولمواصلة عملية التزوير الكبرى.
أسهل ما يكون هو نهج الانطواء واتهام العالم بالتآمر ضدنا. وأصعب ما يكون هو خوض النضال في جميع المحافل لانتزاع حقوقنا، وكما تعلمنا فالدنيا لا تؤخذ بالانطواء، بل تؤخذ غلابا. هكذا هو هذا تاريخنا على مدى ستين عامًا، تاريخ أثبت مصداقيته، ومحمد بركة يواصل هذا الطريق المجيد، فتحية لك يا رفيق.
