الديمقراطية الإسرائيلية: قصاصةٌ من ورق وصندوق خشب

single

الراحل الكبير توفيق زياد. باقٍ في ضمير شعبه

 

وجدتهُ متجهِّما "بارما خلقتهُ" على غير عادتهِ. سألته: مالك يا جار؟
ألغوا انتخابات الكنيست! أجاب بمنتهى الجدية.
وماذا يهمك ألغوها ام خاضوها؟
يهمني جدا! مجاقرة ونكاية ببعض اولاد الـ........
من هم؟ سألتهُ.
ناس "لا شبق لهم ولا عبق" في انتخابات الهستدروت، ويواصلون الاتصال بي والتوسل اليّ، راجين ان اصوت لمرشح عربي، صهيوني الانتماء الحزبي، يسعون لانجاحه.
لكنك لست عضوا في الهستدروت. ذكّرتهُ.
أعرف. لكنني مستمرٌ في ايهامهم بأني عضو، وبأن لي صوتا " أدبّه " في الصندوق بعد اقل من اسبوع. صحيح انني لست عضوا، لكنهم هم ايضا ليسوا مرشحين. وهمهم الوحيد افشال مرشحنا الجبهوي. فماذا تقول؟
هي الديمقراطية يا جار. اجبتُ. والنظام في اسرائيل يحرص على ممارستها في كل الظروف. وقد مضى على تفعيلها ثمانيةَ عشرَ برلمانا، وكاد التاسع عشر يفاجئنا، لو لم يتدارك نتنياهو وباراك الأمر، ولو لم يوافق شاؤول موفاز على الانضمام الى الحكومة. موفاز هذا زعيم فقس من البيضةِ مؤخرا، بعد ازاحة السيدة تسيبي ليفني من الطريق. اختلى به في ظلمة الليل رئيس الحكومة ووزير "القتال" بلغة اخواننا المغاربة، وخرج مزهوا كديك الحبش، مع انبلاج الفجر، وقبل صياح ديك جارنـا، يبشر المواطنين بتحقيق مطالبهم!
كان العرض مغريا: علبة سجائر (جمع سيجار) من النوع الفاخر! اذ ما معنى ان يحظى هذا العسكري المخضرم بمنصب " وزير بلا وزارة "؟!
انكمد جارنــا، وهو يدخن نوعا من التبغ، يجعلكَ تبتعد عنه مسافة "شرب سيجارة" نفث الدخان كله من فمه، فهو لا "يجرعه"، بل يتمخمض به، حرصا على الرائحة! وراح يطرحُ تظلمه من هذه الديمقراطية التي لم يبقَ منها غير صندوق خشبي وورقة اقتراع باهتة، مرة كل اربع سنوات (او اقل اذا " تفشكلَ " رئيسها). كرج الكلام على لسانه كرجا على شكل تساؤلات:
ما معنى الديمقراطية وخمس المواطنين فقراء؟!
ما معنى الديمقراطية التي تتقاضى فيها السيدة غاليا مؤور، مديرة ادارة بنك اسرائيل، مثلا، اربعة ملايين وستة اعشار المليون شاقل في السنة، وعلى شاشات القنوات صور الباحثين عن ملكوت السماوات في براميل القمامة؟! " ومثل غاليا مثايل "!
ما معنى الديمقراطية التي يظل الاطباء فيها " ينبحون " طيلة شهور اضرابهم، فلا يسمع " نباحهم " مسؤول؟!
هؤلاء الاطباء الذين ( تردد الجار ) ثم نطقها: يصلحون وراء الخالق عز وجل (وجارنا صائم مصلٍّ ) قرر التكفير بصلواتٍ وايام صوم اضافية.
ما معنى الديمقراطية حين يتنازل المسنون المرضى عن الادويةِ والعقاقير، لا لانها غير ذات نجاعة بل لانهم لا يملكون ثمنها؟!
والمصيبةُ الكبرى ان الناس مُجمعون على ان هذا النهج في الحياة، هو النهج الصحيح " فلا تهتز لهم قصبة "!
وبعد هذه المحاضرة تنهد جارنا بحسرة، نفخ دخان المضمضة من فمه وقال: مع ذلك ليتها بقيت الانتخابات....

 

 

  • ميلاد لزياد

قبل أربعة عشر ديوانا، واربعةِ اعمال ادبية، ومئاتِ القصائد، واّلاف الابيات، وستة عقود ونيف، وتحديدا في اليوم السابع (الذي يستريح فيه الله) من الشهر الخامس، من عام الف وتسع مئه وتسعة وعشرين، بزغ في سماء فلسطين نجمٌ جديد زاهر، كما كان قد بزغ في السماء ذاتها ، قبل الفي عام، نجم هدى المجوس الى حيث كانت ولادة اخرى.
ولو ان ثمة هيرودوس صهيونيا، كان يحكم هذه البلاد، وعلم ان مولود الناصرةِ سيكون شاعرنا الكبير، لما تردد في اصدار حكم بإطفاء كل النجوم البازغة حديثا.
ثمة شبه عجيب بينه وبينك. هو ناصري بحكم الاقامة والمواطنة، وأنت ناصري او نصراوي، بحكم المولد والإقامةِ والمواطنة والعشق.
هو جاء للفقراء ("من اراد ان يتبعني فليبع كل ما يملك")، وأنت أفنيتَ عُمركَ في التبشير بمملكةٍ، يحكمها الفقراء.
فهل كنتما تحملان البطاقة الحمراء ذاتها، ونحن لا ندري؟
كان فيلسوفا وكنت شاعرا، والشعرُ نوعٌ من الفلسفةِ بمفهوم ما.
حمل صليبهُ وآلامه وسار في طريق الخلاص، وحملتَ هموم شعبكَ وعذاباته صليبا ومشيتَ في شعاب الكفاح.
جاء لخاصته، وخاصته لم تقبلهُ، وجئت لشعبكَ، فاذا كل شعبكَ معك، في الرؤيا والرؤيةِ والاحلامِ والاهداف. واذا بالحجر الذي اهملهُ البناءون، يصبحُ رأس الزاوية. الستَ ورفاقُكَ، من ناديتم بحرية شعبنا واستقلالهِ في دولةٍ فلسطينيةٍ، عاصمتها بيت المقدس؟!!
في اليوم السابع من الشهرِ الخامس كانت الولادة، وفي عكس هذين الرقمين، اي في اليوم الخامس من الشهر السابع، كانت المنية. فهل اختار لك القدر هذين التاريخين رمزا لنمط حياتكَ، التي كانت سباحة بعكس التيار؟  ام ليتلاءم مع طبيعتكَ كشاعر وقصصي وقائد؟
أبا الامين! أيار كان البداية والميلاد، لكنَ تموز لا يمكن ان يكون، لا نهايةَ ولا موتا. فامثالكَ لا ينتهون ولا يموتون. اولستَ القائل: "من شدة حبي لبلادي / لا افنى واموت / لكن اتجدد / دوما اتجدد".
فأنت الحي في قلوبنا وضمائرنا، جيلا بعد جيل، وتراثا بعد تراث. نقبض على مبادئك قبضنا على الجمرةِ، ننقل جذوتها الى الآتين بعدنا، والآتون بعدنا الى الآتين بعدهم.
علمتنا الا نيأس. وفتحت لنـا في عتمة الهزيمة المرة، كوة الامل الرحبة:
" هذه النكسةُ ليست آخر الدنيا
فامسحوا أدمعكم
وادفنوا القتلى وقوموا من جديد "
وعلمتنـا كسر المسلّمات وقلب المعادلات، فاذا بعيوننا تلاطم مخارز القهر والاضطهاد والعنصرية، واذا بيوم الارض يصبحُ نقطة تحول، تقنع المهاويس اننا لسنا اقلية، ولا عرب اسرائيل، بل نحن شعب فلسطيني عريق، لنا جذورنـا الراسخةُ وامتدادنا القومي.
وكأني بكَ يا ابا الامين، ظننتَ في ذلك اليوم المشؤوم، ان الجرح الفلسطيني النازف "المملوء ملحا"، منذ ستة واربعين عاما، قد التأم، فهرعتَ الى هناك، على جياد الريح، تسابق العاصفة.
لم تكن تعرف ان القدر الغادر، كان يكمن لكَ خلف المجهول. سدد سهامهُ الى حُلمكَ "تكسرت النصال"  على النضال، فالغرسةُ التي زرعتها بروحك، ورعيتها بجفون عينيك، ورويتها بدمعهما، لا تقدر عليها الزوابع والعواصف. صارت دوحة غناء.
وأن القوافي التي تركتها للحداة، ستواصل ترديدها القوافل، وحتما سيتحقق الحُلم.
أبا الامين!
امام ذكراك ننحني واقفين صامتين

 

(ملاحظة: اُلقيت في اُمسية اُحيت فيها جبهة سخنين ومؤسسة توفيق زياد ذكرى ميلاد الشاعر والكاتب والقائد الكبير)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لحظة.. كل شيء ممنوع !

featured

ذكرى يوم النكبة الفلسطيني

featured

حقوق الشعب الفلسطيني الثلاثة

featured

السياسي في الإسلام بين النص والتاريخ

featured

رافضة التّجنيد تَئير كَمينِر: الضّابط العسكري قال: لن تنتصري علينا، الجيش أقوى منكِ... لكن تهديده رفع معنويّاتي

featured

لم يُعلّمْني لكنّه علّمَني

featured

لندكّ الحواجز!

featured

"ارهاب فردي" بدفيئة حكومية