تستدعي المسؤولية وضرورة الوضوح في الموقف القول إن قرار النائب العام إغلاق ملف التحقيق في قتل المربي الشهيد يعقوب أبو القيعان برصاص الشرطة، هو قرار غير مفاجئ بالمرة. وهذا ليس بسبب التمسك بآراء مسبقة عن هذه الذراع القضائية، بل بسبب القراءة المتأنية والدقيقة لسيرورة التعامل الاسرائيلي الرسمي مع جرائم قتل مواطنين عرب برصاص بوليسي.
نحن نؤكد بأن هذا القرار غير ناتج فقط عن "مهنيّة" الفحص العيني للمواد والأدلة والقرائن الميدانية والقانونية، بل هو جزء من سياق واسع يتم فيه تسويغ وتبرير وتفهّم وشرعنة السلطة القضائية لعدوانية الشرطة الاسرائيلية الدموية القاتلة ضد المواطنين العرب. هناك تجاهل مقصود وتعامٍ جبان في الجهاز القضائي عن حقيقة خطيرة وقديمة مفادها أن الشرطة تنظر الى المواطن العربي من خلال مهداف البنادق والمسدسات بوصفه "عدوّا ومخربا وإرهابيا"، مثل نظرة جهاز الاحتلال لشقيقه الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين.
في هذه الحالة، التي تواصل فيها دولة اسرائيل الرسمية رفض مواجهة هذا الواقع القاتل، والامتناع الواعي والمقصود عن اقتلاع البذور السامة للعنصرية القاتلة المتفشية في صفوف الشرطة، فإن جرائم قتل المواطنين العرب برصاص الشرطة التي تغلِق النيابة وقبلها "ماحش" (وحدة التحقيق مع الشرطة التابعة لوزارة القضاء) ملفات التحقيق فيها دون محاسبة لمن أطلق الرصاص أو الأمر بإطلاقه – تصبح مسألة غير مفاجئة، بل متوقعة، وحتى نتيجة حتمية في مثل هذا الوضع القانوني المريض.
ادعاؤنا هذا أكده حرفيًا تقرير لجنة اسرائيلية رسمية قبل 15 عاما. نقصد لجنة التحقيق الرسمية برئاسة القاضي ثيودور أور في أحداث اكتوبر 2000 حين قتلت الشرطة 13 مواطنا عربيا. هذه اللجنة كتبت عام 2003 ما يلي:
"يجب إعادة تقييم تعامل الشرطة مع المواطنين العرب.. من المهم أن ترسَّخ في كافة مستويات القيادة في الشرطة أهمية إدارة الامور بشكل متوازن ومنضبط في العلاقات بالمجتمع العربي. يجب على الشرطة أن ترسّخ بين أفرادها مفهوم ان المواطنين العرب ليسوا اعداءهم وانه يجب عدم التعامل معهم كأعداء". وفي مكان اخر أشارت الى اطلاق نار بدون مبرر اذ قالت إنه "في بعض الحالات التي حققت فيها اللجنة تجاوز رد فعل الشرطة بشكل واضح ما يتوجب في ظروف الحالة... حيث لم يكن هناك خطر فعلي يستوجب رد فعل فتاكا".
المؤكد ان هذه التوصية الرسمية لم تلقَ أي اهتمام وعلاج. لم يتم تطبيقها أبدًا. لذلك فالعدائية المتفشية في الشرطة ضد العرب ليس فقط انها لم تتراجع، لا بل تأججت أكثر. الاتهام الكاذب الأول للمرحوم يعقوب كان أنه "داعش"! هذه العنصرية هي لطخة قاتمة على جبين شرطة اسرائيل ونيابة اسرائيل وكل السلطة القضائية في اسرائيل – ناهيك عن الحكومات طبعًا!
لتبقَ ذكرى يعقوب أبو القيعان عطرة خالدة، والعار للقتَلة ومسؤوليهم وغاسلي أيديهم من الجريمة!
