استثمار "هبَّة الأقصى" باستمرارية شعبية: لخلق أفق سياسيّ جديد لنضال الشعب الفلسطيني

single

ان "هبَّة القدس" الجديدة تعتبر التعبير الصادق والعفوي والتلقائي وبوسائل بدائية بسيطة عما يعانيه الشعب الفلسطيني من استمرار الاحتلال والقهر والقمع الذي يصل إلى ذروته في القدس العربية المحاصرة المدافعة عن الأقصى.
خصوصية وقوّة هذه الهبَّة تكمن في عدة عوامل:
• أنها وقعت في البقعة الوحيدة التي لا وجود للسلطة الفلسطينية فيها ولا وجود للأمن الفلسطيني فيها وان المواجهة تجري وجهًا لوجه مع الاحتلال بأبشع صورة دون "فرملة" سلطة أو أمن فلسطيني.
• إنها لا تحمل "دمغة" ولا "ختم" أي فصيل أو منظمة فلسطينية وجاءت بمبادرات فردية يجب ان تلفت نظر العالم إلى ما يعانيه الفلسطينيون في القدس تحت الاحتلال حتى وصلوا إلى مرحلة الاستشهاد المؤكد على يد جنود الاحتلال.
• ان هذه "الهبة" كانت شرارتها الدفاع عن الأقصى والمقدسات ولكن "التهدئة" السياسية في الأقصى لا تلغي باقي الأسباب التي ستبقى وتدوم ما دام هناك احتلال.
• ان هذه "الهبة" جعلت دولة الاحتلال "تخلع" القفازات الحريرية الخادعة للعالم وتضرب مباشرة بالقبضة الحديدية القاتلة وتبيح الضغط بحرية على الزناد بقصد القتل.
• ان هذه "الهبة" اضطرت جيش الاحتلال إلى استعمال أقسى ما عنده وهو "الاعدامات الميدانية" في محاولة منه لوقف هذه "الهبة" التي لحمتها وسداها مبادرات الأفراد... التي لا يمكن رصدها أو توقعها وهي تتكرر يوميًا... وهي تفاجئ دائمًا.
• هذه "الهبة" جعلت العالم يقف فاغرًا فاه ومشدوهًا من هذه المبادرات الفردية البدائية المعروفة النهاية بمقتل هذا الإنسان والشهادة .. الذي كل هدفه لفت نظر العالم إلى هذا الظلم الفادح الواقع على الشعب الفلسطيني ... مضحيًا بجسده عن سبق الإصرار.
• ان كل فلسطيني قتل بالإعدام الميداني هو "محمد بو عزيزي" الذي أحرق نفسه وفجر الثورة التونسية.
• حتى الآن قتل أكثر من ثمانين "محمد بو عزيزي" فلسطيني... فهل يستفيق العالم على هذا الظلم.
• ان "هبَّة القدس" هي "هبَّة خالصة" لوجه الله والشعب الفلسطيني نفذ على أيدي شباب منهم من ولد بعد "انتفاضة الأقصى" قبل 15 عامًا.
• ان "هبة القدس" أصابت بالعدوى الجارة الخليل التي لا تقل بحرمها الإبراهيمي الأسير عن الأقصى... وها هي تنتقل إلى كل أنحاء فلسطين.
• ان كل تبريرات إسرائيل بما تملكه من أبواق إعلامية ووكالات أنباء عميلة لم تستطع ان تقنع العالم "ببربرية" مهاجمي السكاكين البدائية الذين يتعرضون "للإعدامات الميدانية" ... حتى بالشبهة وبالنوايا.
• ان "هبَّة القدس" استطاعت ان تعيد قضية شعب القدس وشعب فلسطين إلى صدارة الأخبار العالمية على الرغم من وجود "داعش" "وماعش" وأخواتها... ويجب استثمار هذه الهبة سياسيًا بإعادة صياغة المواقف وصياغة أدوات المواجهة بالمقاومة الشعبية السليمة العارمة.
• ان هذا الصدق وهذا الصبر الذي يملكه الشاب المقدسي ويواجه جيش الاحتلال هو ما أقنع العالم ببدائية سلاحه وببراءة مقاصده لأن هذا هو المتيسر ما يستطيع به مواجهة الظلم وهو بعض ما تعرض له السيد المسيح في أرض القيامة... حتى الآن لا نعرف مؤشرات عن مسار هذه الهبة واستمراريتها ولكن الفعل والرسالة التي أوصلتها إلى العالم هي واضحة جدًا ولا يمكن إلغاؤها ولا يمكن وضع نقطة وسطر جديد وطي ملفها.
• ان هذه "الهبَّة" على بساطتها يجب ان تحمل معنى كبيرًا للشعب الفلسطيني ويجب ان تمثل "نقطة انعطاف" جذرية للقضية الفلسطينية برمتها... حتى لا تضيع هذه "الهبة" مثل مياه الأمطار التي تنتهي في البحر... يجب تأطير هذه "الهبة" بما يليق بها من استخلاص العبر لمواصلة المسيرة نحو إنهاء الاحتلال والاستقلال.


*فتح الأفق السياسي الغائب أمام الفلسطينيين*


نحن لا نريد التهجم الاعتباطي والعشوائي على منظمة التحرير وعلى السلطة الفلسطينية ولا على حماس الشريكة أيضًا في كل ما يجري.
نحن نرى هذا الجمود الحاصل للقضية لأسباب عديدة ولكن السبب الرئيسي يبقى في توجهات القيادات وعلى رأسها السلطة ومنظمة التحرير. ان الوضع الحاصل على الأرض ولا يمكن لأحد ان ينكره هو ان إسرائيل تملك كل أوراق اللعبة وتستمر في احتلالها وفي سيطرتها الأمنية حتى على بيت محمود عباس نفسه وهي تغير معالم الأرض بالمزيد من الاستيطان حتى يصبح من المتعذر قيام دولة فلسطينية مع مساحة حياة وحركة معقولة بأدنى المعايير.
الفلسطينيون لا يملكون شيئًا بالمقابل سوى الصبر السلبي وسوى الاعتماد على "الشرعية الدولية" التي خذلت كل من اعتمد عليها إذا كان لا يملك قوَّة تساندها.
السلطة اعتمدت بالأساس على مصر التي تعرضت وما زالت إلى المزيد من الأحداث الداخلية وهي ليست بوارد القضية الفلسطينية اللهم إلّا فرض المزيد من المضايقات على قطاع غزة والقيام بهدم الأنفاق شريان الحياة الأساسي "نيابة عن إسرائيل" وأيضًا اعتمدت على السعودية المنشغلة في حروبها في اليمن وفي المساهمة في إسقاط النظام في سوريا.
ان الولايات المتحدة هي "صاحبة الشرعية الدولية" المزعومة وهي تفعِّلها متى شاءت وأينما شاءَت وهي حتى الآن ما زالت في صف سياسات إسرائيل ولن تتغير في المستقبل المنظور ما لم يحدث أمر بارز ومثير يغيرها ويقنعها بضرورة مساندة الفلسطينيين بدلًا من إسرائيل وهذا من سابع المستحيلات. في كل الصراعات في العالم التي تنتهي إلى مائدة المفاوضات لتحل سياسيًا يجلس طرفان كل طرف يملك أوراقا بيده ويتنازل كل طرف عن بعض الأوراق ويتوصلان  إلى حل وسط مقبول على الطرفين... ولكن في مائدة المفاوضات الفلسطينية يوجد طرف واحد هو إسرائيل تملك كل الأوراق ولا وجود للطرف الفلسطيني أو بالأحرى ان الطرف الفلسطيني لا يملك أي ورقة مساومة أو قوَّة يتنازل عنها مقابل الحصول على شيء من الطرف الآخر.
وإذا كانت القيادة الفلسطينية جادَّة بالفعل بالوصول إلى حل يقود إلى إنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية تقوم على الثوابت فإن عليها خلق الأفق السياسي لاستثمار هبَّة الأقصى وغيرها من عوامل القوَّة والمقاومة إضافة إلى "الشرعية الدولية" التي وحدها لا تسمن ولا تغني عن جوع.
"شرعية دولية" مدعومة بأوراق مساومة ومدعومة بإرادة شعب مصمم على نيل حقوقه فعليًا وليس كلامًا هو ما سيرغم إسرائيل على الجلوس والتنازل وعندها ستكون "ندّية" نسبية معقولة على طاولة المفاوضات.
ان "هبَّة الأقصى" سواء استمرت أو توقفت ستبقى علامة بارزة على طريق نضال الشعب الفلسطيني الطويل.
ولكن يمكن استثمارها بنقل نضال الشعب الفلسطيني إلى مستوى أعلى بخلق أفق سياسي يقود إلى تحقيق أهداف سياسية فعلية بتنويع وبتوسيع "أوراق القوَّة" التي يملكها الشعب الفلسطيني على طاولة مفاوضات "ندية" .. وليس طاولة "من يملك كل شيء" مقابل "من لا يملك شيئًا".
ان "انتفاضة الأفراد" في القدس وفي هبة القدس تحمل في طياتها البذور والجاهزية إلى تطوير أدوات النضال بحيث يتحول إلى هبة شعبية سلمية عارمة تحمل أهدافًا في مجالات عديدة اقتصادية وغيرها.
نستطيع ان نؤدي حق الشهداء الذين لفتوا نظر العالم مجددًا إلى ظلم الاحتلال الإسرائيلي بأن تكمل جماهير الشعب الفلسطيني مسيرتهم بالانتفاضة الشعبية السلمية العارمة وعندها فقط يعود التوازن الندي إلى طاولة المفاوضات ويكون للفلسطينيين ما يساومون عليه ويحصلون عليه.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الحرية للنواب وجميع الاسرى

featured

"لا يُمكن تغطية نور الشّمس بالعباءة "

featured

حتى لا تتكرّر الجريمة بحق الشعوب والانسانية!

featured

مقترح شاكيد ومساهمته بالمقاطعة!

featured

آن الاوان لتجاوز دائرة الدم!

featured

الشرطي القاتل والمجتمع الضحية!

featured

سياسة إسرائيل – ألداء والدواء

featured

خطرٌ داهمٌ في "الاتحاد"!