لغز هولاند أمام بصمة ساركوزي

single

الفائز والمهزوم.. هولاند وساركوزي، أمس الأول

 

تبدأ نتالي نوجيرد مقالتها بهذا السؤال: "ماذا تحمل نظرة هولاند إلى العالم؟ ما هي القيم، ما هي الأوامر التي ستصوغها إدارته في هذا المجال المحفوظ" بالتحديد كرئيس الدولة (صحيفة اللوموند الجيوسياسية، 7 أيار، صفحة 3).
لا احد يستطيع ان يعرف الإجابة.
ما هي مكانة فرنسا في العالم بخصوص الرهانات الاستراتيجية "فرانسوا هولاند لم يكن ثرثارا خلال الحملة الانتخابية" وكأن الأساس لا يُلعب في الخارج بل في فرنسا: الأزمة المالية الأوروبية وبالتحديد تغيير المسار في السياسة الأوروبية وبدقة أكثر إعادة النظر و"المفاوضة" في معاهدة الميزانية التي فرضتها ألمانيا وأدت إلى سياسة التقشف التي تعرفها بلدان أوروبية عديدة منها اليونان، اسبانيا، البرتغال، ايرلندا، ايطاليا.. يطرح هولاند إضافة بنود إلى هذه المعاهدة منها النمو الاقتصادي. دعمه في هذا الموقف مدير البنك الأوروبي وعدة قيادات سياسية أوروبية في ايطاليا واسبانيا...
هكذا السياسة العالمية لم تقحم إلى الحملة الانتخابية سوى بشكل عابر فيما يخص أفغانستان وانسحاب القوات الفرنسية في آخر عام 2012.
فيما يخص السياسة الخارجية لفرنسا فرانسوا هولاند كما تقول نتالي  نوجيرد "ناقص الخبرة" في هذا المجال. لأنه لم يمارس وظيفة في أية حكومة.
لذلك كان خياره على محور "حضيضي" أيّ الحد الأدنى لأنه يعرف تماما ان الناخبين لن يحكموا عليه من خلال السياسة الخارجية.
رغم ذلك تبقى المواضيع الهامة في محور السياسة الخارجية، مثلا قضية المفاعل النووي في إيران، العلاقات مع البلاد العربية ومع الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا في كل هذه القضايا كانت مواقف هولاند مختصرة. لذلك بقي محتفظًا بموقف باريس "الاعتراف العالمي بدولة فلسطين" وهذا يعني أيضًا موقفًا  مريحًا أي لا يجبر فرنسا على اعتراف أحادي الجانب ويمكن ان نتساءل: ما وراء الأكمة؟ هل يريد هولاند موقفًا متوازنًا كما عهدنا ذلك في فترة حُكم الرئيس فرانسوا متيران؟ أي موقف متعاطف مع إسرائيل من جهة وإنقاذ ياسر عرفات في بيروت خلال الحرب الأهلية.
لنتذكر أيضًا "منطق الحرب" الذي تحدث به متيران في حرب الخليج الأولى وكان داعمًا لها.
هل سيتميز هولاند بسياسة مختلفة عن سياسة ساركوزي؟ لا احد يدري حتى الآن؟ أم ربما ستكون سياسة ميترانية.
لكن هناك وجهة نظر أخرى تطرحها نتالي نوجيرد ويمكن إيجازها كالتالي: هناك آراء مختلفة جدًا داخل الحزب الاشتراكي وأحيانًا متضاربة.
البعض اقنع هولاند انه من الأفضل تجنب الخطاب المفصّل ليداري حساسية الآخرين في داخل الحزب الاشتراكي وفي اليسار بشكل عام وخاصة ليداري حساسية ملنشون والحزب الشيوعي.
لكن بتفصيل آخر إضافي مداراة مجموعة هوبير فيدرين وهو الوزير السابق للشؤون الخارجية وهو من تيار ميتران ومن جهة أخرى مداراة مجموعة بير موسكوفيسي (وزير سابق أيضًا في القضايا الأوروبية) ولوران فابيوس (رئيس وزراء في عهد ميتران. وهذا التيار الأخير هو تيار في الحزب الاشتراكي ويتصف بما يسمى البراغماتية (أي التيار الواقعي).
من اجل التوضيح الحاصل نذكر فقط بحدث: حين ضربت وفجرت القوات العسكرية مطار غزّة الدولي كان هوبير فدرين في ذلك الوقت وزير الخارجية الفرنسية وقد صرح: "على إسرائيل ان تدفع الثمن لأن هذا المطار بُني بنقود فرنسية وأوروبية" أما التيارات الأخرى فقد صرحت بأن إسرائيل فعلت ذلك دفاعًا عن النفس ولها الشرعية في ذلك.
ويمكن الاستنتاج ان تشكيل الحكومة القادمة  والأشخاص المؤهلين لقيادة السياسة الخارجية سيكون له تأثير أساسي على سياسة فرنسا الخارجية.

  • دور الفلسفة الفرنسية في السياسة


تعودنا منذ القرن الثامن عشر في فرنسا على دور المفكرين والمثقفين وخاصة الفلاسفة، وهو دور مهم ورئيسي تاريخيًا. وكمثال على ذلك الدور الذي لعبه فولتير في كتاباته وأهمها "رسائل (أو خطابات) فلسفية" وكانت عبارة عن برنامج سياسي أساسه الديمقراطية ونذكر أيضًا مدى نفوذ نيكولا دي كوندورسيه وكتابه Ezquisse (1724-1743) وبه يتحدث عن التحديات السياسية والاجتماعية والتاريخية التي كانت تواجه الثورة الفرنسية: العدالة الاجتماعية، المساواة، الحكم الديمقراطي والحقوق المواطنية.. الخ.
هكذا ومنذ القرن الثامن عشر، وبما هو أبعد بكثير، لعب المثقفون والفلاسفة دورًا هامًا وأساسيًا في تكوين السياسة الفرنسية وفي المجتمع الأهلي في القرن العشرين مثلا في الخمسينيات والستينيات وحتى أواخر السبعينيات كان هذا الدور السياسي والاجتماعي والفلسفي يلعبه جان بول سارتر كفيلسوف يساري وريموز آرون كفيلسوف يميني ولكل معسكر كان له فلاسفته.
أما الآن فمن يلعب هذا الدور؟ مِن أبرز الفلاسفة في معسكر اليسار هم: إدجار موران  وريجيس دوبري وميشيل سيريز.
جرى حوار فلسفي حديث بين ادجار موران والرئيس الجديد فرانسوا هولاند نُشر في صحيفة اللوموند يوم 5 أيار أي قبل نتائج الانتخابات بيوم.
سنأخذ من هذا الحوار مختصرًا يُفهمنا، ربما، عن ما سيجري.
قبل ذلك أريد ان أذكر، وبشكل سريع، ان دور المثقفين والفلاسفة ليس موجودا منذ القرن الثامن عشر والذي يعتبر "عصر الأنوار" لكنه كان موجودًا منذ عصر النهضة الفرنسي في القرن السادس عشر وذلك بفضل الملك فرانسوا الأول.
وهذا الملك من أكثر الملوك الذين حكموا فرنسا حبًا للثقافة وللفنون، ومن هنا نفهم أكثر لماذا كان يُعاشر في بلاطه هؤلاء مثل فرانسوا رابليه الكاتب المعروف وكانت ريشته في خدمة الملك ونذكر أيضًا ليوناردو دو فنشي والذي أتى خصيصًا من ايطاليا، بدعوة من الملك، ووضع كل فنه في خدمته ورسم مخططات قصور عديدة تنسب له كقصر شامبور والذي يعتبر احد روائع الفن المعماري في هذه الفترة.
ولا ننسى أيضًا الشاعر رونسار وما كتبه عن الحروب الدينية في هذه الفترة التاريخية ودعا أيضًا إلى السلام وكان أول شاعر "وطني" يدافع عن بلده وأول أساس للشعر الملتزم الوطني.
إذًا لفرنسا تاريخ مليء وزخم كبير من الكتّاب والشعراء والفنانين والفلاسفة والذين كان لهم تأثير كبير في سياسة بلدهم وتركوا تراثًا غنيًا جدًا بالأفكار والقيم العالمية والتي أصبحت اليوم مرجعًا أساسيا للجميع. سأروي قصة حقيقية جرت في القرن الماضي في الستينيات في عصر الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو حين جاءه احد الوزراء قائلا يا سيادة الرئيس ان الفيلسوف جان بول سارتر يتصدّر المظاهرات مطالبًا بإسقاط النظام ومن الضرورة وضعه في السجن! فأجاب الرئيس بومبيدو: "في فرنسا لا يُسجن فولتير" فأصبحت الجملة شهيرة وتعبر عن مدى مكانة الفلاسفة وكما كان جان بول سارتر رمزًا في القرن العشرين هكذا فولتير في القرن الثامن عشر.

  • هولاند والتغيير

تحت عنوان السلطة من اجل ماذا؟ يبدأ الكاتب نيكولا تريونغ مقالته وتحت عنوان اصغر يقول: هل يستطيع اليسار الحكم دون تخييب الآمال التي أيقظها؟
يقول ادجار موران ان الأزمة هي "أزمة حضارية تمس الأسس والقيم التي بنيت عليها (...) لان الغرب خلال وقت طويل جزّأ العلوم وأبعد الاقتصاد عن المشاكل والقضايا الاجتماعية. وحده الفكر السياسي قادر ان يكون على مستوى العصر العالمي" وهولاند "يريد تغيير المصير" وموران يريد "تغيير العصر" هولاند يريد "مرحلة انتقالية في الطاقة والاقتصاد والأجيال" وموران يريد "تغيير المجتمع"، هولاند يريد ان يكون "رئيس الخروج من الأزمة" وموران يريد "إنقاذ المجتمع".
وادجار موران يذكر ان الرئيس فرانسوا متيران سمح بالدخول للنيوليبرالية وتطور الرأسمالية النقدية. ادجار موران يطلب ان تكون فرنسا معبّرة كبلد متعدد الثقافات، أما هولاند فيريد "تقوية العلمانية". في كل الأحوال برنامج الرئيس هولاند هو الخروج من الأزمة والديون المتراكمة منذ أكثر من عشرين عاما وتقديم بعض الإصلاحات على صعيد التعليم والنظام الصحي والتقاعد.. الخ. لكن تبقى رغم كل ذلك قضايا الشرق العربي والقضية الفلسطينية ما زالت غائبة حتى في الحوار مع ادجار موران وهذا الأخير عنده مواقف مشرفة جدًا بالنسبة لفلسطين وقضية السلام.

  • قراءة في نتائج الانتخابات الفرنسية

كانت الحملة الانتخابية الثانية بين الجولة الأولى والثانية حملة بائسة، لماذا؟
كما تعلمون انه بعد الجولة الأولى بقي مرشحان للجولة الثانية الأول هو فرانسوا هولاند والثاني هو نيكولا ساركوزي. الأول هو مرشح اليسار الاشتراكي والثاني هو مرشح اليمين.
خلال هذه الحملة حاول الرئيس السابق والمرشح ساركوزي مهاجمة اليسار بشكل عام على عدة مستويات ومنها على صعيد المهاجرين الأجانب والمسلمين:
كما هاجم ساركوزي هولاند واليسار باجمعه لقولهم إعطاء حق التصويت للأجانب في الانتخابات المحلية بادعاء ان ذلك يهدد الوحدة الوطنية!
مع انه مسموح لكل الأوروبيين المتواجدين في فرنسا ويعيشون فيها بالمشاركة في التصويت وهم يشاركون دوما بذلك. لماذا حرمان الأجانب (المهاجرين) من هذا الحق؟ وهم يشاركون في الحياة الاقتصادية والاجتماعية ويدفعون كغيرهم نفس الضرائب.
أما على الصعيد الديني فقد هاجم ساركوزي أيضًا الإسلام بقوله "نحن مع "إسلام فرنسا" لكن لا نريد الإسلام في فرنسا"رغم غموض هذه الجملة فهو يقصد ان الإسلام المعتدل مقبول لكن الآخر (المتطرف) غير مقبول.
كما أكد ساركوزي على "ان فرنسا وأوروبا لهما جذور مسيحية والأمم الأوروبية بنيت على هذا الأساس" "المسيحية هي جزء من الهوية".
لكن ساركوزي يبدو وكأنه نسي ان فرنسا منذ أكثر من قرن هي بلد علماني وهذا ما ينص عليه القانون الفرنسي التأسيسي.

  • الهجوم على النقابات

لأول مرة في التاريخ الحديث يهاجم رئيس دولة ومرشح في الانتخابات النقابات العمالية قائلا "اتركوا العلم الأحمر واخدموا فرنسا".
وقد أثار ذلك غضب كل النقابات الكبيرة والصغيرة وانتقدوا بشدة هذا الموقف. ونضيف إلى ذلك موقفه ضد "لحم الحلال" كل هذه المواقف المتشددة والتي تليق أكثر بأقصى اليمين حملها ساركوزي على عاتقه لكسب عطف  وأصوات أقصى اليمين. وهذا الخطأ الاستراتيجي الكبير. والنتيجة كانت عكس ذلك. فالأغلبية لم تصوت له.
بالمقابل، حملة هولاند كانت حملة معتدلة وموحِّدة ومؤكدة أن الوحدة الوطنية الفرنسية أقوى من كل ذلك. واستطاع هولاند إعطاء أمل ممكن للفرنسيين وأكد انه يحترم كل الآراء وكل الأديان وانه مؤمن بالمساواة في التعليم والصحة وبالتقدم وتوحيد الأجيال عبر العمل والعدل، وأكد على أهمية دور الشبيبة في المجتمع، لذلك صوت له أغلبية الشباب والعمال وخاصة في كل الأحياء الشعبية. وكانت النتيجة النهائية: 48,20% لساركوزي و 51,80% لهولاند

  • من هو فرانسوا هولاند؟

ولد عام 1954 في مدينة روان. بعد حصوله على الليسانس في الحقوق درس العلوم السياسية في باريس لينهي المدرسة في الـ E.N.A المدرسة الوطنية للإدارة، وهذه المدرسة تُخرِّج كل النخب السياسية في فرنسا عادة. انتسب إلى الحزب الاشتراكي في عام 1980 بعد نجاح فرانسوا ميتران في الانتخابات الرئاسية عام 1981 عمل في قصر رئاسة الجمهورية كمسؤول عن القضايا الاقتصادية، وبعدها أصبح "شيف" في إدارة ماكس جالو ثم سكرتير الدولة والمتحدث الرسمي للحكومة عام 1983 في عام 1988، انتخب هولاند كنائب في البرلمان لمنطقة لاكوريز.
في عام 1995 أصبح المتحدث الرسمي للحزب الاشتراكي. وفي عام 1997 عين كسكرتير أول في الحزب الاشتراكي ثم انتخب كمحافظ مدينة "تول" ومن ثم أصبح رئيسًا لكل منطقة كوريز عام 2011.
أعلن في الكوريز ترشحه في الحزب الاشتراكي للانتخابات الرئاسية وعين للمنصب في الحزب الاشتراكي عام 2012 وبنفس العام اصدر كتابًا عنوانه: تغيير المصير.
نجح في الانتخابات الرئاسية الاخيرة في 6 أيار عام 2012.

  • والآن ما العمل؟

بعد انتصار اليسار في فرنسا في المعركة الانتخابية الرئاسية يبقى على اليسار ان يحصل على الأغلبية في البرلمان. الانتخابات البرلمانية على الأبواب وستكون في شهر حزيران القادم. النظام السياسي الفرنسي هو نظام برلماني. والبرلمان له كلمة مهمة في السياسة الداخلية والسياسة الخارجية لأنه بإمكان البرلمان رفض أية سياسة لا تناسبه. وهذه النقطة مهمة جدًا.
إذًا على الأغلبية الرئاسية ان تفوز أيضًا بالانتخابات البرلمانية لكي تستطيع ان تقود السياسة التي اختارها الشعب. وهنا يوجد احتمالان الأول هو فوز اليسار في الانتخابات البرلمانية وذلك يمكنه من تحقيق السياسة التي يريدها. أما الاحتمال الآخر هو ان يكون اليسار أقلية في البرلمان وهذا ما سيعقد كل المعادلات السياسية. وحاليًا لا نستطيع حسم الموضوع لأن المعطيات لا زال بعضها مجهولا.

  • المسؤولية التاريخية للفلسطينيين والعرب هي المبادرة

من الواضح، عبر كل ما كتبت، ان أوروبا وفرنسا بالتحديد والأخص كل بلدان اليورو منشغلة بقضاياها الداخلية وأهمها الخروج من أزمة هائلة ربما تستمر حلولها عدة سنوات على الأقل. كل أولويات أوروبا، والمثال الفرنسي، مثال كافٍ، يتمثل في حل الأزمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدبلوماسية وحتى الأخلاقية فلن يكرسوا وقتًا وإمكانيات ودعمًا لقضية السلام. ولا لقضية وشعب فلسطين وحقوقه المهدورة.
الكرة الآن في المعسكر الفلسطيني – العربي والذي تقع على عاتقه الدبلوماسية السياسية لتقديم كل العروض والاقتراحات لأوروبا. إذًا المبادرة على عاتق كل القوى المريدة للسلام في المنطقة. ان كانت هذه القوى أكيدة وصادقة وتقدم طرحًا دبلوماسيا وسياسيًا كامل الوضوح يمكنها ان تجذب أوروبا إلى دعم مبادرات جديدة للسلام.
في إطار أوروبا بدون استراتيجية سياسية موحدة وبدون مواقف موحدة أيضًا تجاه قضية السلام هذا يجبر القوى المحبة للديمقراطية والتقدم والسلام على رسم خارطة طريق واستراتيجية واضحة على المدى القريب والبعيد لكسب الدول الأوروبية المترددة وطرح مشروع كامل ودقيق ضمن استراتيجية واضحة للمستقبل.

 

  • (كاتب فلسطيني مقيم في فرنسا محاضر وعضو سابق في مركز الأبحاث في علم النفس في جامعة تور – فرنسا)
قد يهمّكم أيضا..
featured

نحن والنضال الاجتماعي

featured

الرد الفلسطيني على فوز ترامب يكون بتحقيق الوحدة ونبذ التشرذم

featured

عمل المستحيل في نضاله

featured

في ذكرى قرار التقسيم، الذي يصادف اليوم: خلفية قرارات 1947-1948

featured

حزب العمل وأسطورة "يساريته"!

featured

زينة المرء أدبه

featured

أهكذا نكرّم المرأة الفلسطينية؟!

featured

الفضائيات وقنابلها العنقودية