هنالك من رجال العلم الذين يكتبون التاريخ حسب مصالح سياسية. نحن كشيوعيين نتوجه على أساس علمي وملازم للظروف وللفترة التي جرت فيها الأحداث. ووصف فترتنا والفترة التي سبقتها كقضية صراع بين اليهود والعرب فقط – خطأ.
السياسيون الصهيونيون يعرضون سنوات الـ1948-49 هكذا وينسون فترة الانتداب ومصالح الامبريالية البريطانية وكذلك الأمريكية والفرنسية. في هيئة الأمم المتحدة في 29/11/1947 قُبل القرار بخصوص إلغاء الانتداب البريطاني، إخراج الجيش من البلاد وإقامة دولتين مستقلتين يهودية وعربية.
المصلحة الرئيسية كانت آنذاك هي التخلص أولا من الامبريالية البريطانية التي حكمت وأثارت النزاع هنا بين أبناء الشعبين. توجهنا للقضية القومية يقوم على أساس طبقي ونحن نرى ان العداء هو بين الطبقات وليس بين القوميات. نحن نرفض التوجه القائل: ما هو جيد للعربي سيئ لليهودي وبالعكس. هناك أعداء لليهود وللعرب، لكنهم لا ينقسمون حسب القومية وإنما للعدو الطبقي الخطير للشعبين من جانب واحد والأكثرية التي تعاني منه كذلك.
لذلك نحن نعود ونؤكد انه منذ المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي، موقفنا الأساسي لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني هو: من اجل المصلحة الحقيقية، على اسرائيل ان تنتهج سياسة عدم الارتباط مع الدول الامبريالية وترسيخ الاستقلال الوطني والعمل من اجل سلام بين الشعبين عندما ينجز حق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير وإقامة دولته إلى جانب إسرائيل، ويتحقق حل عادل لقضية اللاجئين وفقا لقرارات الأمم المتحدة. لهذه السياسة نحن مخلصون، ناضلنا وسنستمر في النضال لأجلها.
بالرغم من هذه المواقف في النضال ضد الانتداب البريطاني، فإن القيادة الصهيونية عملت من اجل الاستمرار بالارتباط مع الامبريالية. منذ 1946 أعلن موشيه سنيه – الذي كان آنذاك صهيونيًا معروفًا واحد القادة الصهيونيين، انه لا يرى أي تناقض بين الهجرة الجماعية ودولة عبرية وبين قواعد عسكرية قوية – بريطانية في هذه البلاد. وبالعكس فقد نظر إليها بعين الرضى.
وأضاف موشيه شرتوك (شاريت): "نحن غير مسرعين في ذهابنا إلى الأمم المتحدة، أمريكا معنية بنا في الشرق الأوسط".
وغولدا مئير اعتذرت قائلة: "ليس بسببنا يقدم موضوع ارض إسرائيل إلى الأمم المتحدة".
بن غوريون نفسه أعلن أمام لجنة التحقيق الانجلو-أمريكية في 1946 "إذا وافقت بريطانيا على دولة يهودية في جزء من ارض إسرائيل فنحن مستعدون لإعطائها قاعدة ضد الاتحاد السوفييتي، ونحن لا نطالب بخروج الجيش البريطاني من البلاد".
كذلك قائد "هشومير هتساعير"، م. يعري قال في 14/4/47 قال انه ممنوع علينا ان ندعم بشكل مباشر وغير مباشر فكرة ان البلاد قد أصبحت جاهزة في هذه المرحلة للاستقلال "يجب الانتظار لوصول عدد اكبر من اليهود".
غالبية الأحزاب الصهيونية كانت جاهزة لتكون "مرتزقة" منذ ذلك الوقت وحتى اليوم.
خلال السنوات، حيث أصبحت فلسطين أرضا ذات قوميتين، أكد الحزب الشيوعي الفلسطيني، أمام لجنة التحقيق الانجلو-أمريكية في سنة 1946، انه في فلسطين لا يوجد تناقض مصالح بين اليهود والعرب.
النزاع بشكل عام هو ثمرة تحريض وفساد للحكم البريطاني خلال 28 سنة. البعثة عرضت موقفها على أساس قرارات المؤتمر التاسع من سنة 1945 (بعد الحرب العالمية الثانية) بقولها: "نحن نطالب بإلغاء الانتداب البريطاني والنقل السريع للقضية الفلسطينية إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة".
أمام لجنة خاصة للأمم المتحدة في تموز 1947 قال الشيوعيون ان كل حل سياسي – كي يقبل بواسطة الغالبية من الشعبين – ويلبي رغباتهم القومية العادلة يجب ان يكون على أساس مبدأين:
1. استقلال كامل للبلاد - إلغاء الانتداب البريطاني، إخراج الجيوش الأجنبية، إلغاء الحكم الاحتكاري للأجانب.
2. اعتراف بحق الشعبين للاستقلال في فلسطين واحدة مستقلة ودمقراطية – مبني على مبدأ المساواة الكاملة لحقوق مدنية وقومية وسياسية.
من المهم ان نذكر انه في المنشور الذي صدر في نيسان 1948 عن الحزب واتحاد الشبيبة الشيوعية ونشر كبيان وُزع في أوساط الجنود، جاء: "قليلة هي الأخبار التي تصل إلينا حول قوات متقدمة عربية ولأجل ذلك من المهم أكثر الانتباه لصوت الجماهير العربية في بلادنا وفي البلدان المجاورة، الذين يشاركوننا في نضالنا، أينما وجد وكذلك في نضالهم للتحرر من نير الامبريالية الأجنبية"!
في مصر صحيفة "الجماهير" جريدة اليسار المصري، كتبت في شباط 1948 "نحن موافقون على إقامة دولتين مستقلتين، حيث ان هذا هو الحل العملي الوحيد لتحقيق الجلاء البريطاني والضمانة الأساسية لوحدة ارض إسرائيل في المستقبل. الامبريالية هي سبب الانفصال. والاستقلال هو الطريق الوحيد لوحدة البلاد. على الجماهير اليهودية والعربية الاتحاد في نضالها من اجل تطهير بلادهم من الامبريالية وخدامها". ونحن ندعو الجماهير اليهودية العربية – تابعت "الجماهير" – في عدد آذار – لوقف الاقتتال العرقي وجعله كفاحًا مشتركًا ضد الامبريالية الأجنبية ومن اجل الحرية والاستقلال، ونحن ندعو الشعوب العربية للنضال بدون هوادة لتطهير بلاد الشرق الأوسط كلها من الامبريالية والخونة الذين يدعمونها.
في سوريا ولبنان: رسالة التهنئة للأحزاب الشيوعية في سوريا ولبنان إلى مؤتمر الحزب الشيوعي في بريطانيا، في شباط 1948، جاء فيها "نحن نلفت انتباه العالم إلى سياسة بفين من اجل اشعال النزاع في ارض إسرائيل وإسالة الدماء بين اليهود والعرب بواسطة عدم تنفيذ قرار الأمم المتحدة بخصوص إقامة دولتين مستقلتين، من خلال الرغبة للاستمرار في الحكم الامبريالي على البلاد كلها".
هنا، جاء في "الاتحاد" – صحيفة اتحاد النقابات المهنية: "الامبريالية البريطانية في البلاد، هي السبب في إراقة دماء الأبرياء، هي التي ترسل بأفراد شرطتها إلى القرى العربية من اجل تحريض سكانها لمهاجمة المستوطنات اليهودية".
موقفنا اليوم ومنذ 1948 مبدئي، والطريق مليء بالعوائق، لكن مع الإقناع والرغبة في الحياة يجب الاستمرار بالنضال وعدم الخضوع والانجرار نحو مسالك قومية. هكذا نستطيع التغلب على أمواج العداوة التي تغمرنا منذ 60 سنة.
(نص كلمة القاها غونين في مؤتمر فكري للحزب، الناصرة 29.11.07)
