الغيمة والعروس

single

في الطريق الى العمل في قطيف ثمار المانجو في كيبوتس رفيد، قريبا من بحيرة طبريا، يلفت الانتباه بعد الخروج من بيت جن في حوالي الخامسة صباحا، انتشار الغيوم التي تتخذ العديد من الاشكال في الافق الشرقي، وتبدأ اشكالها بالوضوح اكثر بعد بدء انزياح ثوب الليل الاسود وارتداء الطبيعة الثوب الصباحي الشفاف متعدد الالوان، وتشد انتباهي في تأملي لتلك الغيوم وللطبيعة وللبحر وللبشر وللتراب وللشجر، غيمة شفافة طويلة كأنها العروس المغمورة بالفرح وهي ترتدي فستانها الابيض الجميل النقي وهي تسير واثقة الخطى نحو المرتبة المعدة لها للجلوس بضع ساعات عليها محاطة بالاحبة والاهل والصديقات قبل توجهها النهائي الى بيت الزوجية لتبدأ بتحقيق احلامها وتطلعاتها وغمر من اختارته شريكا لها بكل الدفء والمحبة والحنان والاحترام والسعادة والفرح.
ويتعمق تأملي في هذا المنظر الرائع، الغيمة والعروس والقاسم المشترك بينهما وهو العطاء الجميل الحافل بانساغ الحياة الطيبة والضامنة لاستمرارية الحياة، على الارض، ويكون ذلك بعد ان ترشف اشعة الشمس حبيبات المطر وتلتقي وتتحد الواحدة مع الاخرى وتتكاثر الحبيبات المتعانقة بكل الحب والدفء والحنان، وتنتشر على التراب لتعانق ذراته الطيبة ويتعمق العناق وتتعمق الوحدة ليكون عطاء التراب الرائع، الثمار اليانعة واللذيذة، وهكذا تتواصل الحياة بفضل ما يبذله الانسان ايضا من جهود مباركة تتجسد في العمل في الارض لجني مختلف الثمار من مختلف المزروعات من حبوب واشجار واشتال منوعة، وهكذا حال العروس، التي وبعد ان يغمرها الحب الدافئ والجميل، المتميز بنقائه وسموه لشريك الحياة الصادق والمخلص النبيل والمنزه عن اية نوايا سيئة، تترجل عن المرتبة وتسير الى بيت الحياة لتبدأ بتحقيق تطلعاتها الجميلة واحلامها الانسانية، واعطاء الثمار، ومثلما تختلف انواع واشكال واعمال وابداعات وسلوكيات وافكار ثمار العروس، وذلك وفقا للمجتمع الذي تعيش فيه والقوى المسيطرة فيه واهدافها وبرامجها وسلوكياتها.
وبعد الاستمتاع بمنظر الغيمة العروس، والتفكير في القاسم المشترك بين الغيمة والعروس وهو العطاء الجميل لضمان استمراررية الحياة، تصل السيارة التي تقلنا مجموعة عمال الى مكان العمل لتبدأ الجهود الجسدية عملها في قطف ثمار المانجو والتي بناء على الكمية المقطوفة تكون اجرة العامل اليومية، وهنا تبدا مشقات الحياة للحصول على متطلبات ومستلزمات استمراريتها، وهنا يبدأ تفكير اخر، خاصة ان حرارة الشمس بدأت بالاشتداد والازدياد وبدأت حبات العرق المتفصدة عن الاجساد تسيل غزيرة، ويمتد التفكير ليقول ان هناك من يعيش في الحياة وهناك من يعيش الحياة، فليس كل من يعيش في الحياة يعيش الحياة ويستمتع بها ويحس بلذتها وروعتها وقدسيتها، والواقع في كل مكان في العالم خير دليل على ذلك، والذي يئن من شدة الجوع ليس كالذي يئن من شدة وكثرة الاكل والشبع والتخمة، ويتواصل التفكير والقول، ان العروس تعطي الدفء والحب والحنان لضمان استمرارية الحياة، ومثلما تنثر الغيمة دموعها الجميلة حبيبات مطر كثيرة لتعانق التراب وتكون الثمار المتنوعة، تريد العروس في ايامها الاولى في عش الزوجية الدافئ نثر الزهور على مواكب! البشر وليس رجمها بالحجارة، ولكن الواقع يابى الا ان يفرض نفسه هنا ليشوه منظر الطبيعة الجميل ومنظر الغيمة العروس لان العرائس لسن بنفس المشاعر والاحلام  والاهداف والابداعات، وان كان الفستان الابيض هو المشترك لهن كلهن، فالعروس اليمينية المتطرفة المتباهية بصهيونيتها او العروس المتباهية بعنصريتها او العروس المتباهية بتخلفها وخنوعها خاصة للعادات والتقاليد البالية، ليست كالعروس المتباهية بانسانيتها الجميلة التي بلون فستانها الحالمة والساعية ليكون البشر افراد اسرة واحدة متآخية يرون ويعمقون المشترك فيما بينهم، وتقول ان نثر الزهور على مواكب البشر، وليس الحجارة والقنابل والصواريخ يكون عندما تأتلف البشرية كلها في اسرة واحدة تسيرها مبادئ الاشتراكية والشيوعية الاممية الحقيقية وتعمل دائما من اجل سعادة افرادها جميعهم بغض النظر عن انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية والفكرية، عروس تريد للبشر ان يقوموا باعمالهم كبشر افراد اسرة واحدة ويفكروا دائما وبكل عمق وصدق ومحبة واستقامة انهم بشر لهم جميعهم كرامتهم وحقهم في العيش باحترام ومساواة وكرامة واطمئنان ومحبة وامان وليسوا قطعان غنم تساق للعمل ولا تفكر انها بشر، عروس تريد للبشر تمحيص ما يسمعون ويقرأون وينفذون عن قناعة ما يعتقدون انه الصحيح والمعمق لجمالية انسانية الانسان.
نعم، تلبس العروس اجمل فستان وتتبهرج بالزينة، وتلبس الغيمة فستانها الاجمل المنسوج من حبيبات المطر الضامنة لاستمرارية الحياة والسؤال الذي يطرح نفسه هو، متى تلبس العقول والنفوس والمشاعر والنوايا والقلوب والضمائر، اجمل الكلام والاهداف والافعال والسلوكيات؟ والجواب يكون في اعتقادي وبناء على الواقع والافكار والاعمال والانظمة، فقط عندما يجري تذويت وبعمق اهمية تبني الافكار والمبادئ والاهداف الشيوعية الوحيدة القادرة من خلال تطبيقها بصدق وبعمق وحمايتها من اي تشويه او تحريف او تلويث، ان تُسيِّر البشرية كلها على دروب مكشوفة واضحة المعالم والاهداف، لكي تشرب دائما نخب السعادة والفرح والتآخي الانساني في حديقة الحياة ولا تتجرع نخب الموت، كما هو قائم اليوم في العالم الرأسمالي وخاصة موت القيم الانسانية الجميلة. وسمونا كشيوعيين في كل مكان يتجسد في ان مهتتنا هي ضمان وتقديم الفرح الى الناس كل الناس وهم يعيشون في حديقة السلام ويستمتعون بالحياة الجميلة ورائحتها الطيبة في التعايش الانساني الاممي حياة تحمل معتزة، جمال الافعال والاقوال والمشاعر والنوايا والسلوكيات وبالتالي النتائج! لتكون الحياة فستان عروس ابيض على مدى الحياة يعانق الغيمة لتستمر الحياة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

حربنا حضارية فكرية

featured

أربعون سنة من تاريخ جبهة عرابة 1968 - 2008 - دروس وعبر

featured

مقاومة شجاعة... وأسئلة مقلقة

featured

لمواجهة الملاحقة السياسية لـ "الميدان"

featured

شوق اليركاويّ إلى الكبّة النّيّئة

featured

ان بصقت لفوق او لتحت البصقة لابساني!

featured

حالة التَعْتير

featured

فشِّة خلق صباحيَّة