// ليس بالمفهوم العادي يمكن التقاط المشهد الاسرائيلي في هذه الأيام. لكن ما يقلق حقًا ان العربي لم يجد نفسه بعد في هذه المعادلة. كأنه صَدّق ان هذه "الدولة" هي دولة اليهود فقط وليست كل مواطنيها.
ليس بالمفهوم العادي يمكن التقاط المشهد الاسرائيلي في هذه الأيام. فما يجري هو النقيض للتوجه المؤسساتي الذي بَـنَى "استراتيجيته الداخلية" على تحييد الاجتماعي – الاقتصادي لصالح "الأمني"، وبالتالي الانشغال الدائم بإشاعة "الأمني" لتوحيد الاسرائيلي العبري الداخلي حول "قضايا مُجَمِّعة" قائمة على ديمومة معادلة "اليهودي مقابل العربي"، يُراد منها ان تلغي كل شيء آخر يفتح المجال أمام ما تخشاه المؤسسة: تعاون عربي يهودي متبادل ومشترك.
ليس بالإسكان وحده يحيا الإنسان. وقد يكون خطأ مظاهرات الاحتجاج ونصب الخِيام، التي بدأت عفوية وبدون تنظيم مسبق، انها أخذت من السياسة "الخط الأحمر" المفتعل. كأن تقول ان سياسة الحكومة الاقتصادية الكارثية على الطبقات الفقيرة والشرائح الاجتماعية المستضعفة هي ليست سياسة. أو ان قضايا التعليم والصحة، أو تآكل الأجور، هي ليست سياسة. أو علاقة المال بالسلطة هي ليست سياسة. أو عدم قدرة الراتب الشهري البقاء في جيب الموظف او العامل لأكثر من خمسة أيام من يوم الحصول عليه هو ليس سياسة.
هذه هي السياسة بعينها. لا يمكن الفصل بين الاجتماعي وبين السياسي، بين الاقتصادي وبين السياسي. بين اضعاف الأغلبية الساحقة من الشرائح الاجتماعية في البلاد لصالح 12 عائلة تسيطر، بالكامل، على اقتصاد الدولة، وبين السياسة. وأية عملية "مكيجة" للوضع القائم، من خلال القول بأن "القضية هي قضية أجور السَكَن فقط"، هي ليست فقط لا تخدم الشرائح والطبقات ذاتها التي تتواجد اليوم في الشارع وتنصب الخيام في المدن والبلدات اليهودية، انما تغتال أي أمل في التغيير المرجو من هذا التحرّك، من حيث التأثير والفعل على هذه الحكومة لتبديل سياستها الاقتصادية الاجتماعية.
نُبَسّط الأمور لنفهم أكثر. لنفترض ان إيجارة الشقق السكنية قد انخفضت بالفعل. فهل ينتهي الحال – حال التّعتير على قولة اللبنانيين – عند هذا الحد. ماذا مع فاتورة الكهرباء التي ارتفعت بنسبة 20%؟ ماذا مع ضريبة "الأرنونا"؟ ماذا مع مصاريف استهلاك الغاز؟ ماذا مع "السوبرماركت"؟ ماذا مع "كيلو اللحمة بثمانين" (كانت 35 قبل سنتين فقط!) وماذا مع انتهاء عهد الخضار و"ثلاثة كيلو بعشرة"؟ واذا اردت ان تخرج من بيتك، فماذا مع مصاريف السيارة والبنزين الذي ارتفع في السنوات الأخيرة بشكل جنوني وصل حد 600%.
لم ندخل بعد في مصاريف التعليم، والسنة الدراسية الجديدة ومتطلبات افتتاحها الذي "يخرم جيوب" الأهل. ولا في رسوم الصحة وتحويل الجهاز الصحي في البلاد عمليًا الى جهازين: واحد للأغنياء والثاني للفقراء. والثاني، في حالتنا، بات ينتظر "دوره" لفحص مختبر أو تصوير "رينتغن" شهر ونصف الشهر او شهرين وأحيانًا ثلاثة، وقد يأتي موعده وقد لا يأتي في الحالات الصعبة، حيث، حينها، قد يأتي أجَله. وهنا، لم نتحدث بعد، عن رسوم لأدوية لا يستطيع المواطن العادي ان يدفعها، فيموت ومعه حسرته.
الحالة تعبانة يا ليلى. لكن ما يقلق حقًا ان العربي لم يجد نفسه بعد في هذه المعادلة. كأنه صَدّق ان هذه "الدولة" هي دولة اليهود فقط وليست كل مواطنيها. فلماذا نعترض، اذن، على مطلب رئيس الحكومة الاسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بالاعتراف باسرائيل "دولة اليهود"، ما زلنا نحن، العرب، نتصرّف على انها بالفعل كذلك؟
قضايانا كعرب مركبة وأكثر تعقيدًا. ومشاكلنا أصعب. والتمييز "ضارب أطنابه"، من كل فَيّ وجانب. لكن سمعان، على ما يبدو، مش هون. ثم ان ما يجري في البلاد، ضمن ما أسميه بـ "شبه الصحوة" الاجتماعية الاقتصادية وعدم التلويح الدائم بالفزّاعة الأمنية، هو مسار كنا نرجوه طوال الوقت.
يبدو ان اسرائيل، المؤسسة، قد نجحت في جعل العربي غريبًا عن محيطه العام في الدولة. هو، العربي، لا يشعر بأنه جزء من هذه المعركة. فهي "معركة اليهود". لكن، للحقيقة، فان العربي يجب ان يكون من اكثر المعنيين بهذا التحوّل: تغيير المسار من "التجميع" و"التوحيد" حول "الأمني"، وهي في اتجاه واحد، الى "التجميع" و"التوحيد" حول الاجتماعي والاقتصادي، وهي يجب ان تكون باتجاهين: العربي واليهودي، او كما يقولون: لَمْلمة حالة التَعتير.
